حمزة الإدلبي

 

أزاح الاتفاق التركي الروسي القلق والهمّ عن ظهر العالم بشأن المذبحة الأكبر في القرن الحالي والتي كان من الممكن أن تتجاوز ضحاياها الـ 3 ملايين شخص في إدلب، الذي اقترحها الرئيس روحاني في قمة طهران بضمان اصطفاف روسيا إلى جانبه.

 

لذلك جاءت القمة التركية الروسية الأخيرة في مدينة سوتشي الروسية، لتجعل العالم يتنفّس الصعداء ولتقلب المشهد المتشائم بالكامل، ولتفاجئ العالم باتفاق تركي روسي يعاكس نتائج قمة طهران بعدم الخوض في الحل العسكري في إدلب، والتوقيع على مذكرة تفاهم واتفاق روسي تركي ينص على عشر مواد تفصيلية تسعى لتحقيق استقرار الوضع داخل منطقة خفض التصعيد في إدلب في أقرب وقت ممكن باعتبار الدولتين ضامني الالتزام بنظام وقف النار في سورية، وبالاسترشاد بمذكرة إقرار مناطق خفض التصعيد داخل الجمهورية السورية في 4 مايو/أيار 2017، والترتيبات التي تحققت في عملية أستانة، وسعياً لتحقيق استقرار في الوضع داخل منطقة خفض التصعيد في إدلب في أقرب وقت ممكن، اتفقتا على ما يلي:

 

1 ـ الإبقاء على منطقة خفض التصعيد في إدلب، وتحصين نقاط المراقبة التركية وستستمر في عملها.

 

2 ـ يتخذ الاتحاد الروسي جميع الإجراءات اللازمة لضمان تجنب تنفيذ عمليات عسكرية وهجمات على إدلب، والإبقاء على الوضع القائم.

 

3 ـ بناء منطقة منزوعة السلاح بعمق 15 – 20 كيلومتراً.

 

4 ـ إقرار الخطوط المحددة للمنطقة منزوعة السلاح عبر مزيد من المشاورات.

 

5 ـ التخلص من جميع الجماعات الإرهابية الراديكالية من داخل المنطقة منزوعة السلاح، بحلول 15 أكتوبر/تشرين الأول.

 

6 ـ سحب جميع الدبابات وقاذفات الصواريخ المتعددة والمدفعية ومدافع الهاون الخاصة بالأطراف المتقاتلة، من داخل المنطقة منزوعة التسليح، بحلول 10 أكتوبر 2018.

 

7 ـ ستقوم القوات المسلحة التركية والشرطة العسكرية الخاصة بالقوات المسلحة التابعة للاتحاد الروسي، بدوريات منسقة وجهود مراقبة باستخدام طائرات من دون طيار، على امتداد حدود المنطقة منزوعة التسليح، إضافة إلى العمل على ضمان حرية حركة السكان المحليين والبضائع، واستعادة الصلات التجارية والاقتصادية.

 

8 ـ ستجري استعادة طرق نقل الترانزيت عبر الطريقين إم 4 (حلب – اللاذقية) وإم 5 (حلب – حماة) بحلول نهاية عام 2010.

 

9 ـ اتخاذ إجراءات فاعلة لضمان إقرار نظام مستدام لوقف النار داخل منطقة خفض التصعيد في إدلب.

في هذا الصدد، سيجري تعزيز مهام مركز التنسيق الإيراني – الروسي – التركي المشترك.

 

10 ـ يؤكد الجانبان مجدداً عزمهما على محاربة الإرهاب داخل سوريا بجميع أشكاله وصوره.

أبرم في سوتشي في 17 سبتمبر/ أيلول 2018 في نسختين، وتحمل كلتا النسختين الإنكليزية والروسية القيمة القانونية ذاتها.

 

هذه المواد العشر التفصيلية والدقيقة لا يمكن التوصل إليها في أيام قليلة، أي بعد قمة طهران وقبل قمة سوتشي وخلال أسبوع واحد، وهذا يعني أن إيران لم تكن غائبة عنها، ولكنها رفضت المشاركة فيها، وكان أبرز بنودها اتخاذ الاتحاد الروسي جميع الإجراءات اللازمة لضمان تجنب تنفيذ عمليات عسكرية وهجمات على إدلب وإبقاء الوضع على ما هو عليه، وبناء منطقة منزوعة السلاح بعمق 15 – 20 كيلومتراً، والتخلص من جميع الجماعات الإرهابية الراديكالية من داخل المنطقة منزوعة السلاح وسحب جميع الدبابات وقاذفات الصواريخ الخاصة بالأطراف المقاتلة، والعمل على ضمان حرية حركة السكان المحليين والبضائع واستعادة الصلات التجارية والاقتصادية.

 

وعلى إثر ذلك فقد اختلفت التحليلات حول الاتفاق وتداعياته وإلى ما يؤول إليه، فهناك من وجد في ذلك مساعي سياسية لتقليص المساحات التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة دون تقديم حلول واضحة بشأن مصير تلك الفصائل المعارضة، في حين رجحّ محللون أن بوتين سيضمن بعد إنشاء المنطقة منزوعة السلاح أمن قاعدته العسكرية في حميميم وعدم التعرض لها من قبل المعارضة.

 

أما ردود الأفعال الدولية فقد لاقت الغالبية استحساناً لهذا الاتفاق، ورحبّت به كافة الأطراف المعنية، بينما نقل عن موقع “دمشق الآن” القريب من النظام الأسدي بأن بوتين لم يتحدّث بحرف خارج إرادة القيادة السورية موضحاً أن هذا الاتفاق هو خطة بدايتها سياسية ونهايتها عسكرية.

 

أما إيران فقد نقلت قناة الميادين التلفزيونية عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية بأن بلاده ترحب بالاتفاق التركي الروسي بشأن محافظ إدلب، وقد أضاف وزير الخارجية بأنه تم التشاور مع طهران على هذا الاتفاق قبل الإعلان عنه، كما كتب وزير الخارجية محمد جواد ظريف عبر تغريدة له على تويتر بأن الدبلوماسية الفاعلة والمكثفة حالت دون وقوع حرب في إدلب، مع تعهد بمكافحة الإرهاب.

 

ولكن ما يتعدى ردود الأفعال الخاصة بالنظام الأسدي والإيراني ما لاحظناه نهاية كل تصريح يخص أحد النظامين، وهو محاولة إثبات أن ما يجري كان بموافقة وترتيب مسبق من خلالهم، محاولين إظهار أنفسهم كأطراف أساسية في هذا الاتفاق، بعكس ما يستنتجه القارئ للأخبار بأن الاتفاق نتج عن تفاهم تركي روسي لا غير.

 

وقد نقلت وكالة الأنباء الرسمية “سانا” عن مصدر بأن دمشق ترحب بأي مبادرة تحقن دماء السوريين، مؤكدة أنها ماضية في حربها ضد الإرهاب حتى تحرير آخر شبر من الأراضي السورية سواء بالعمليات العسكرية أو بالمصالحات المحلية. وهذا التصريح ينافي وجود أي أثر لـ(القيادة السورية) ضمن الاتفاق التركي الروسي، أو حتى ضمن أي قرار متخذ بشأن سورية على شكل أوسع.

 

أما دواعي القبول الروسي لهذا الاتفاق المنافي لمخططاتها المسبقة، فهو وبحسب ما يرى الكثير من المحللون بأنه عجز الجيش الروسي على القضاء على الثورة السورية، بالإضافة إلى الضغوط الغربية على روسيا بشأن إيران، كما لابد من ذكر الاستنزاف الاقتصادي والعسكري والسياسي الذي تعرضت له روسيا خلال سنين الثورة السورية.

وبعد ظهور هذا الاتفاق فإن النظام والمعارضة يواصلان تحصين مواقعهما العسكرية بريف حلب، وقد استمرت المعارضة على هذا النحو تحسباً لأي هجوم أو خرق للاتفاق من قبل قوات النظام وميليشياته، لذا يجب الحذر والتحضر لأي طارئ قد يحدث في المستقبل.