زهير سالم

 

ما تزال تداعيات قرار ترامب المفاجئ  الانسحاب من سورية تستدعي المزيد من التأمل والتدبر . يزعم ترامب ، والعهدة في هذا عليه ، أن الرئيس التركي تعهد له بتتبع بقايا ما يسمى تنظيم الدولة في سورية ، وأنه أجابه بناء على هذا التعهد : المنطقة لك..

 

ولقد تأخر هذا التوافق ( الأمريكي – التركي ) قرابة خمس سنوات ، دفعت تركية الدولة وسورية الثورة ثمنه الكثير .  وما نظن أن ما تم التوافق عليه اليوم سيستدرك ما فات ويجبر ما انكسر  ؛ بعد أن أصبحت روسية حاضرا أول في المنطقة ، يملي إرادته من خلل غياب الولايات المتحدة ، ومن خلال لامبالاتها .

 

بدأ المراس ( والمراس صراع أقل حدة )  الأمريكي – التركي على الدور في سورية منذ انطلاقة الثورة السورية ، وتصاعد ليبلغ ذروته في عام 2015 ثم ليصير إلى مايشبه الصراع وليعود بنا اليوم إلى نقطة الصفر .

 

سوريون كثيرون يعيبون على القيادة التركية وعلى دولة الرئيس أردوغان الوعود الوردية التي أطلقوها ، والآمال العراض التي تحدثوا عنها ثم وجدوا أنفسهم في لحظة عاجزين عن الوفاء بها .

 

كان الموقف التركي يرتكز في كل ما أعلن عنه ووعد به على ركيزتين اثنتين :

 

الأولى هو موقع الدولة التركية في حلف الناتو كعضو فاعل ومؤثر ووازن يطرق أبواب الاتحاد الأوربي ، ويقود تجربة انفتاح إسلامي حضاري ناجح ، نقومها نحن     -ونحن هنا تشمل الجمهور الواعي من العرب والترك والكرد – إيجابيا ، ويقومها الأعداء الذين حاولوا الانقلاب عليها سلبيا.

 

والركيزة الثانية هو التوجه الإنساني العالمي المزعوم  نحو تعزيز القيم الكونية في الديمقراطية وحقوق الإنسان ، والإطاحة بالأنظمة المستبدة والفاسدة والتي وجدت مرتعها في اللعب على حبال الحرب الباردة . وفي هذا أيضا كان المتكأ خطأ ففي دول جارة للكيان الصهيوني مثل سورية ومصر يبقى الاستبداد والفساد مطلوبا بل مدعوما لتحقيق دوره الوظيفي في حماية من يستحق الحامية .

 

كانت القيادة التركية في السنوات الأولى للثورة تتمسك – وهذا حق – بحل كلي للوضع في سورية يعيد الاستقرار والأمن لهذا البلد من خلال حكم ديمقراطي رشيد ، وكانت القيادة الأمريكية وحلفاؤها يعرضون على تركية دورا وظيفيا جزئيا يتمثل في قمع ما سمي بالتنظيمات الإرهابية . ومن هنا فقد ظل كل فريق في بيدائه ؛ حتى وصل الأمر بالأمريكيين أن يرفضوا مقترحا تركيا مدنيا مثل المنطقة الآمنة . وهنا اتضح أن التحالف  الغربي مع أنظمة الاستبداد والفساد في عالمنا العربي أعمق على المدى الاستراتيجي من أي تحالف آخر حتى من دور تركية كعضو في الناتو ، ومن دور تركية كتجربة حضارية منفتحة تدفع بأنموذجها عن المنطقة شبح التطرف المتولد من العدمية واليأس والاستبداد والفساد .

 

ربما من حق الدولة التركية والمحللين الأتراك أن يعيدوا تقويم سياساتهم وقراراتهم في سورية ما بين : 2012 – 2015 . وبالتأكيد إلى ما قبل الاحتلال الروسي لسورية . وأن يعيدوا تقويم مراسهم السياسي مع الغرب والولايات المتحدة والدور الذي كان يمكن أن يلعبوه تحت عباءة قتال تنظيم الثورة ، العباءة التي ارتداها كل من هب ودب على الساحة الإقليمية حتى أولئك الذين وصلوا إلى سورية عن بعد آلاف الكيلو مترات.

 

والذي وصلنا إليه اليوم هو عودة للمربع الأول ..

 

وقبول الدولة التركية – حسب عبارة ترامب – التفويض الأمريكي بتعقب تنظيم الدولة ..وعلى التوازي حق إبعاد شبح البكك والبيد عن الحدود التركية وربما على مستويات معينة في العمق السوري ..

 

ولكن المختلف هذه المرة على ما كان عليه الأمر سنة 2013 و2014 و2015 هو وجود اللاعب الروسي كندّ للولايات المتحدة وعدو للشعب السوري ونقيض للمشروع التركي في سورية وفي الوقت نفسه حليف مستجد للدولة التركية وللحكومة التركية .

 

هل كان ترامب عندما قال للرئيس أردوغان : المنطقة لك ، كان يريد فعلا تفويض الدولة التركية بأمر جوارها الجيوسياسي ..أو أنه كان يريد زيادة المشكلة تعقيدا في وضعها أمام الحليف المستجد  الحاضر القوي في المنطقة ..؟؟

 

هل ستعيد ذيول البكك في سورية تحالفها الاستراتيجي القديم مع ( السوفييت وحافظ الأسد ) وتجد الدولة التركية نفسها في ورطة جديدة . شهداء العمليات التي نفذها أوجلان تخطيطا من كنف حافظ الأسد تعد بعشرات الألوف ..؟؟

 

الأمريكان ينسحبون ، ليصبح الروسي ومعه حلفاؤه الاستراتيجيون الإيراني والأسدي اللاعب الأول في سورية كلها بما فيها شرق الفرات وغرب الفرات وإدلب وريفي حماة وحلب ..

 

فأي مساحة سيترك هؤلاء للدور التركي المأمول ، الذي بات يتعلق به مصير ثورة كلفت الملايين من الشهداء والمفقودين والمهجرين ؟ لقد بات الدور التركي في المنطقة هو الحامي الأول لوجود الشعب السوري ومستقبله على مستوى الوجود والهوية والحدود بعد أن تخلى عنه الآخرون وخذلوه ..ومن هنا تأتي خطورة المقاربة والمراهنة ..

 

وحتى لا نختم على تخوف نقول : ويبقى للمعارضة السورية بشقيها السياسي والثوري حق المبادرة لتكون رافعة قوية لخيار متعاون وثيق يليق أكثر بالعقيدة والحضارة والإنسان .