وجيز التفسير…

 

تبقى كل سور القرآن الكريم وآياته موضع التأمل والاعتبار والاستنباط.. ولأمر جليل ورد في السنة أن تقرأ سورة “الكافرون” مطلع النهار في سنة الفجر ، وأول الليل مع صلاة الوتر ، وكذا ورد في الأثر أنه تقرأ قبل النوم كإعلان براءة من الشرك.

 

الخطاب في سورة “الكافرون” بقدر ما فيه من المفاصلة المؤكدة مرة بعد مرة ((لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ….)) تأتي خاتمة السورة بآية يظنها بعض القاصرين إقراراً للكافرين على كفرهم وما هي بالإقرار أبدا..؛ بل هي إنذار مؤكد على كل إنسان ليتحمل عاقبة اختياره ((لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)). وفهم هذا الإنذار موضع انزلقت فيه أفهام الكثيرين كما في مثل قوله تعالى ((فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر )) فظن من لا يفقه أساليب العربية الإنذار والتحذير نوعاً من التخيير !!

 

وإذا كان أمر “النذارة الدينية” متعلقاً بجزاء الآخرة أكثر من تعلقه بجزاء الدنيا؛ فإن هذه الآيات عموماً والسورة خصوصاً والتي وصفها الرسول الكريم بأنها براءة من الشرك، تأتي براءة مؤكدة حاسمة مجسمة، وقد جاءت لتقطع على أهل الكفر والشرك والضلال طرقهم في استدراج أهل الإسلام إلى مزالق لينة يحاولون فيها أن يخلطوا بين “اليوغا والصلاة” على ما تسمع كثيراً منهم في هذه الأيام وإنما هذا مجرد مثل أضربه في سياق.

 

في أول الإسلام كما يقول أهل السير والتفسير كانت هناك عروض متعددة لقريش لتصل مع الرسول الكريم إلى حلول جزئية مثل “قسمة زمنية للعبادة يوم لرب العالمين وآخر لأوثان قريش”، أو أن “يعترف الرسول الكريم ببعض أوثان قريش وأصنامها”، كما يساوموننا اليوم؛ إسلام صلاة وصوم نعم إسلام اقتصاد يحرم الربا لا، إسلام مسجد وزاوية وحلقة ذكر نعم، إسلام مجتمع يحرم الزنا ومقدماته لا، إسلام خضوع واستسلام لمن أكل مالك وجلد ظهرك نعم، وإسلام سياسة يأبى الظلم والخضوع ويسأل الحاكم من أين لك ثوبك الطويل فلا .. هي هي المساومات نفسها لا يساومنا عليها في هذا الزمان كفار قريش وحدهم بل كفار العالم أجمع وقد أحاطوا بنا من يمين ويسار وفوق وتحت..

 

والأعجب الأغرب أن فينا ومنّا ممن يتكلمون بلغتنا ويتسمون بأسمائنا سماعين لهم، مرددين لأقوالهم ينابذوننا إن قلنا إن الإسلام هو الدين الذي جاء به محمد رسول الله بقواعده وأصوله ونصوصه لا يقبل الاختزال ولا تعضين المقتسمين ((الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ)) أي بعّضوه وجزّؤوه.. وما يزال هؤلاء الذين يحلبون في آنية الكافرين والمشركين يتطاولون على أهل الإسلام بزعمهم أنهم مسلمون ومحمدون وأحمدون!!

 

ويبقى لنا في السورة الجميلة سر جميل لا بد أن نقف عنده ونزيده وضوحاً وجلاءً..

 

فعندما ينادي خالق الناس على الناس ومنهم وفيهم الكافرون ((قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ..)) فهو يخبرنا ضمناً أن لكلّ كافر معبوداً يعبده؛ مهما تلوّى وأنكر.

 

فالكافر حسب منطوق السورة كافران..

 

كافر توجّه بالعبادة لغير الله فعبد الحجر والشجر والشمس والقمر والدواب والأشخاص، وهذا الذي دأب علماء المسلمين على تسميته بالكافر المشرك، الذي أقرّ بالمعبود وانحرف في تصوّره وتصوّر وطرق عبادته فكان من الغاوين..

 

والكافر الآخر كافر يزعم أنّه تمرّد على العبادة، وأعلن موت الله، وأنّ الإنسان لا يحييه ويميته إلا الدهر أو الطبيعة أو.. وهذا تردّ عليه قوله هذه السورة العظيمة العجيبة. تقول لكل المسلمين قولوا لهذا الكافر المتبجح المنكر : لا نعبد ما تعبد..

 

من هوى ((أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ))، لا نعبد ما تعبد من سلطة وشهوة ومال ومنصب. تخبرنا السورة أنّ الكافر منكر العبادة هو في حقيقته عبد خانع ذليل في محراب ذاته الوضيعة الحقيرة. هؤلاء الكافرون هم حسب سورة “الكافرون” عبيد مستعبدون، عبيد أذلاء لمآربهم وشهواتهم تجد الواحد منهم يترنح أمام مصلحته العاجلة ويخرّ صريعاً على وجهه بطريقة مبتذلة تزيده ذلة في صورة ذلة المعبود ((ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ)).