الإخوان المسلمون في سورية

من ملف مأساة العصر في حماة (2)

 

ثانياً: انتهاكات وحشية بحق الأطفال والنساء والطاعنين في السنّ

 

خلال مجزرة حماة الكبرى، لم تسلم أية شريحةٍ اجتماعيةٍ من جرائم الطغمة الأسدية.. فقد امتدّت وحشية القتلة الساديين، من الطفل إلى الطاعن في السنّ، ومن الرجل إلى المرأة، ومن المسلم إلى المسيحي!.. إذ كان جنود النظام من سرايا الدفاع والوحدات الخاصة والمخابرات والميليشيات الأسدية.. كانوا ينفّذون أوامر الجهات العليا، بدءاً من رئيسهم حافظ أسد، وانتهاءً بالضابط الطائفي الميدانيّ الحاقد.. كانوا يستبيحون حماة بمن فيها وبكل ما فيها، بتشفٍ ساديٍ لا يقوم به إلا الهولاكيون من العصور الغابرة، بل فاقت ساديةُ هؤلاء الطائفيين ساديةَ هولاكو وجنكيزخان في كثيرٍ من جوانب المأساة التي نَكَبوا بها مدينة حماة!..

 

* * *

 

كان نصيب الأطفال من وحشية عصابة النظام الأسدي وافراً، شديد الإجرام، فالأطفال كانوا ضحايا المجازر الجماعية والفردية، كما كانوا ضحايا التعذيب الوحشيّ أمام عيون أمهاتهم وآبائهم، وكان بعضهم يموت بسبب الجوع أو فقدان الحليب اللازم لتغذية الرضّع، بسبب الحصار الخانق المضروب على المدينة (مثل رضيعٍ من آل جنيد عمره خمسة أيام)، كما كان بعضهم يموت بسبب الخوف والذعر (مثل الطفل ماهر حلاق 9 سنوات)، وبخاصةٍ عندما كانت تُقتَل الأم أو يُقتَل الأب أو الشقيق أمام عيني طفلهم، وبعض الأطفال نجوا من المجازر الجماعية، فأصيبوا باضطراباتٍ نفسيةٍ عميقة!..

 

كان الجنود الساديون يتفنّنون في قتل الأطفال أو إرهابهم، كَرَمي الرضّع من الطوابق العليا للبنايات بحضور ذويهم، أو خلال حملات الإبادة لأسرٍ بكاملها، أو بواسطة القناصين الذين يتقصّدون قتل الأطفال (مثل قنص الطفل محمد الزين 3 سنوات)، أو بتفجير الملاجئ ودور السكن بمن فيها.. حتى الأجنّة في أرحام أمهاتهم لم يأمنوا من القتل والتنكيل، فقد كان جنود (الصمود والتصدي)، يعمدون إلى بقر بطون النساء الحوامل، للضغط على بقية أفراد الأسرة، ثم يستخرجون الأجنّة من بطونهن ويقتلونهم ذبحاً وتقطيعاً بحراب البنادق (مثلما حصل مع زوجة محمد الكاش وجنينها من حي البارودية)!.. وقد سُجِّلت الكثير من الحالات والأسماء لدى منظمات حقوق الإنسان، عن تلك الجرائم بحق الأطفال والأجنّة.. كما سُجِّلت مجزرة كبيرة للأطفال قتل فيها عدد كبير منهم، أثناء عودتهم من استلام الخبز الذي كانت توزّعه على السكان سياراتٌ خاصة، إذ طلب منهم الجنود التجمع في (الجامع الجديد)، ثم داهموهم وأطلقوا عليهم النار، ليسقطوا جميعاً مضرّجين بدمائهم داخل الجامع!.. (انظر تقرير اللجنة السورية لحقوق الإنسان عن انتهاكات حقوق الإنسان خلال مجزرة حماة 19 شباط 2002م، وتقرير اللجنة الصادر في 1 شباط 2006م).

 

* * *

أما النساء، فقد نالهنّ ما نال الرجال دون تمييزٍ أو تفريق، فقُتِل الآلاف من النساء كما قُتِلَ الرجال، فضلاً عن قتلهنّ خلال الدفاع عن أعراضهن أو أطفالهن، ضد جنود حافظ أسد وزمرته المافيوية المجرمة، كما قُتِلَت نساء بهدف سرقة مجوهراتهنّ وحُليّهنّ، وقُطّعت أيدي أعدادٍ منهنّ لاستخراج الحليّ من أذرعهنّ، وبعضهنّ قُتِلنَ انتقاماً من أزواجهنّ المطلوبين للمخابرات، وكذلك بعضهنّ كنَّ يُقتَلْنَ بسبب أنهنّ من عائلة فلانٍ فحسب (براءة بهنسي 35 عاماً قتلت في بيتها مع خمسةٍ من أطفالها)، كما قُتِلَت بعض النساء بسبب مداواتهنّ للجرحى من أبناء الحيّ أو الأقرباء!..

 

لقد تعرّضت النساء إلى حملات التعذيب الجسديّ والنفسيّ، بالضرب حتى الموت، أو بتعذيب أطفالهنّ وأزواجهنّ قبل قتلهم أمام أعينهنّ، أو برميهنّ من الأماكن الشاهقة، أو بقلع عيونهنّ أو بقطع أطرافهنّ.. كما كان الجنود يختطفون الفتيات الصغيرات من الملاجئ، ثم يعتدون عليهنّ ثم يقتلونهنّ!..

* * *

 

أما كبار السنّ، فقد قُتِل الآلاف منهم أيضاً، بالمجازر الجماعية أو بالقصف العشوائي للمدينة، أو بسبب انقطاع العلاج والدواء، أو بسبب الجوع، أو بالانتقام الفرديّ.. كما توفي عدد كبير من الطاعنين في السن، بسبب المرض أو انقطاع العلاج المنتظم الذي كانوا يخضعون له قبل حصار المدينة، أو بسبب الجوع (مصطفى العزي 72 عاماً: كفيف مات جوعاً بعد قتل كل أفراد أسرته).. وبعضهم قُتِلَ بسبب محاولاتهم دفن أبنائهم أو بناتهم أو زوجاتهم المقتولين والمقتولات، من الذين بقيت جثثهم في العراء أكثر من أسبوعين، مع تهديد جنود العصابة الحاكمة الأهالي وتوعّدهم، كي لا يقوموا بدفن موتاهم (مثل قتل الحاج عبد المعين الأصفر من البياض)!.. (تقرير اللجنة السورية لحقوق الإنسان 19 شباط 2002م).

 

وقد أوردت تقارير منظمات حقوق الإنسان مثلاً، أن العشرات من علماء الدين في حماة ومشائخها الطاعنين في السن، قد اعتقلوا خلال أحداث المجزرة ولم يُعرَف مصيرهم حتى الآن، من مثل: الشيخ (بشير المراد) مفتي حماة.. كما نقلت المعلومات أن الشيخ (أديب الكيلاني) استشهد أثناء قصف حي (الكيلانية).. وكذلك الشيخ (عبد الله الحلاق) الذي اعتقل من بيته أثناء المجزرة مع حوالي ثلاثين رجلاً من أبناء حيه (حي الباشورة)، ثم نُقِلوا إلى منجرةٍ في المدينة وأُحرِقوا فيها وهم أحياء.. وكذلك الشيخ (محمود الشقفة)، الذي طعنه جنود حافظ أسد أمام بيته في حي (الحاضر) حتى الموت، وعمره كان يناهز الثمانين عاماً.. وكذلك بعض الشيوخ المسنّين المكفوفين، بعد أن داهمتهم قوات سرايا الدفاع بقيادة المجرم (رفعت أسد) أثناء وجودهم في مدرسة المكفوفين، فأحرقت لحاهم ثم عذّبتهم وقتلتهم وأشعلت النار في ثيابهم لتحترق جثثهم، ومن هؤلاء الشهداء: الشيخ (شكيب)، والشيخ مقرئ القرآن (أحمد شامية)، والشيخ (أديب كيزاوي)!..

 

* * *

إن ما وقع في حماة خلال المجزرة الكبرى فاق التصوّر، ولا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن يحصل بهذه الصورة في أي مكانٍ من العالَم، ولم يحصل في سورية مثله حتى تحت حكم أعتى القوى الاستعمارية للبلاد، وذلك خلال الاحتلالات المتعددة عبر تاريخ سورية.. فقد أساء الدكتاتوريون والمافيويون الأسديون لسورية وشعبها وحضارتها، بهذه الهمجية المنظمة، التي مارسوها بصدورٍ حاقدة، وعقولٍ إجرامية، ونفوسٍ ساديّةٍ لئيمة.

 

د. محمد بسام يوسف