الإخوان المسلمون في سورية

الشيخ مصطفى السباعي (رحمه الله) وموقفه من الاستشراق والمستشرقين

بقلم: د. علي محمد الصلابي
يُعتبر الشيخ السباعيّ بالنسبة لي من أوائل من فتح عيني وفكري على خطورة كتابة المستشرقين، وعن أثرهم الكبير في الثقافة العربيّة والإسلاميّة، وتحدّث عن خطورة العبوديّة الفكريّة، وعن أدوارها التي مررنا بها في مطلع نهضتنا العلميّة والفكريّة الحديثة، وهذه العبوديّة تتمثّل في مثل كتاب الدكتور طه حسين (الأدب الجاهليّ) الذي كان ترديداً مخلصاً لآراء غلاة المستشرقين المتعصّبين ضدّ العرب والإسلام أمثال (مرجليوث) الذي نقل آراءه كلّها في كتابه (الأدب الجاهليّ) ونسبها إلى نفسه وليس له في الكتاب رأي جديد نتيجة بحث علميّ قام به أو تعب في سبيله. ويمثّل هؤلاء أيضاً الأستاذ أحمد أمين في كتابه (فجر الإسلام) و (ضحى الإسلام).
بيّن الشيخ السباعيّ في فصل (الحديث) من كتاب (فجر الإسلام) من سرقة لآراء المستشرقين دون أن ينسبها إليهم في كتابه (السنّة ومكانتها في التشريع الإسلاميّ). ومن هؤلاء أيضاً: الدكتور عليّ حسن عبد القادر في كتابه (نظرة عامّة في تاريخ الفقه الإسلاميّ) وهو ترجمة حرفيّة لما كتبه جولد تسيهر في كتابيه (دراسات إسلاميّة) و (والعقيدة والشريعة في الإسلام)، فقد كان كسابقيه غير أمين حين نسب هذه الآراء إلى نفسه ولم ينسبها إلى أساتذته المستشرقين (الاستشراق والمستشرقون، ص8، 9، 10).
وقد كشف الشيخ السباعيّ في بحث علميّ رصين تحريفات المستشرق (جولد تسيهر) فيما يتعلّق بالإمام الزهريّ، وتحدّث عن تاريخ الاستشراق وميادينه اللغويّة، والدينيّة، والحضاريّة، وعن دوافعه الدينيّة، والاستعماريّة، والتجاريّة، والسياسيّة، والعلميّة، وعن أهداف الاستشراق من التشكيك بصحّة رسالة النبيّ ﷺ ومصدرها الإلهيّ، فجمهورهم ينكر أن يكون الرسول نبيّاً موحى إليه من عند الله، وإنكارهم أن يكون الإسلام ديناً من عند الله، والتشكيك في صحّة الحديث النبويّ الذي اعتمده علماؤنا المحقّقون، والتشكيك بقيمة الفقه الإسلاميّ الذاتيّة، والتشكيك في قدرة اللغة العربيّة على مسايرة التطوّر العلميّ لنظلّ عالة على مصطلحاتهم التي تشعرنا بفضلهم وسلطانهم الأدبيّ علينا.
ولخّص الأهداف الدينيّة والسياسيّة للمستشرقين في النقاط التالية:
– تشكيك المسلمين بنبيّهم وقرآنهم وشريعتهم وفقههم، ففي ذلك هدفان: دينيّ واستعماريّ.
– تشكيك المسلمين بقيمة تراثهم الحضاريّ، يدّعون أنّ الحضارة الإسلاميّة منقولة عن حضارة الرومان، ولم يكن العرب إلّا نقلة لفلسفة تلك الحضارة وآثارها، لم يكن لهم إبداع فكريّ ولا ابتكار حضاريّ، وكان في حضارتهم كلّ النقائص، وإذا تحدّثوا بشيء عن حسناتها، وقليلاً ما يفعلون، يذكرونها على مضض مع انتقاص كبير.
– إضعاف ثقة المسلمين بتراثهم، وبثّ روح الشكّ في كلّ ما بين أيديهم من قيم وعقيدة ومُثُل عليا ليسهل على الاستعمار تشديد وطأته عليهم ونشر ثقافته الحضاريّة فيما بينهم، فيكونوا عبيداً لها، يجرّهم حبّها إلى حبّهم أو إضعاف روح المقاومة في نفوسهم.
– إضعاف روح الإخاء الإسلاميّ بين المسلمين في مختلف أقطارهم عن طريق إحياء القوميّات التي كانت لهم قبل الإسلام، وإثارة النعرات والخلافات بين شعوبهم، وكذلك يفعلون في البلاد العربيّة، يجهدون لمنع اجتماع شملهم ووحدة كلمتها بكلّ ما في أذهانهم من قدرة على تحريف الحقائق وتقيّد الحوادث الفرديّة في التاريخ ليصنعوا منها تاريخاً جديداً يدعو إلى ما يريدون من منع الوحدة بين البلاد العربيّة والتفاهم على الحقّ والخير بين جماهيرها (الاستشراق والمستشرقون، المصدر السابق، ص19).
وبعد أن بيّن الأهداف الدينيّة والسياسيّة للمستشرقين تحدّث عن فئة وصفها بالصنف القليل عدده، لهم أهداف علميّة خالصة لا يقصد منها إلّا البحث والتمحيص ودراسة التراث العربيّ والإسلاميّ دراسة تجلو لهم بعض الحقائق الخافية عنهم، وهذا الصنف قليل عدده جدداً وهو مع إخلاصهم في البحث والدراسة لا يسلمون من الأخطاء والاستنتاجات البعيدة عن الحقّ، إمّا لجهلهم بأساليب اللغة العربيّة، وإمّا لجهلهم بالأجواء الإسلاميّة التاريخيّة على حقيقتها، فيحبّون أن يتصوّروها كما يتصوّرون مجتمعاتهم ناسين الفروق الطبيعيّة والنفسيّة والزمنيّة التي تفرّق بين الأجواء التاريخيّة التي يدرسونها وبين الأجواء الحاضرة التي يعيشونها.
وهذه الفئة أسلم الفئات الثلاث في أهدافها، وأقلّها خطراً، إذ سرعان ما يرجعون إلى الحقّ حين يتبيّن لهم، ومنهم من يعيش بقلبه وفكره في جوّ البيئة التي يدرسها، فيأتي بنتائج تنطبق مع الحقّ والصدق والواقع، ولكنّهم يلقون عنتاً من أصحاب الهدفين السابقين؛ إذ سرعان ما يتّهمونهم بالانحراف عن النهج العلميّ، أو الانسياق وراء العاطفة، أو الرغبة في مجاملة المسلمين والتقرّب إليهم كما فعلوا مع (توماس أرنولد) حين أنصف المسلمين في كتابه العظيم (الدعوة إلى الإسلام) فقد برهن على تسامح المسلمين في جميع العصور مع مخالفيهم في الدين على عكس مخالفيهم معهم، هذا الكتاب الذي يعتبر من أدقّ وأوثق المراجع في تاريخ التسامح الدينيّ في الإسلام يطعن فيه المستشرقون المتعصّبون، وخاصّة المبشّرين منهم، بأنّ مؤلّفه كان مندفعاً بعاطفة قويّة من الحبّ والعطف على المسلمين، مع أنّه لم يذكر فيه حادثة إلّا أرجعها إلى مصدرها، ومن هؤلاء من يؤدّي بهم البحث الخالص لوجه الحقّ إلى اعتناق الإسلام والدفاع عنه في أوساط أقوامهم الغربيين، كما فعل المستشرق الفرنسيّ الفنّان (دينيه) الذي عاش في الجزائر، فأعجب بالإسلام وأعلن إسلامه، وتسمّى باسم (ناصر الدين دينيه)، وألّف مع عالم جزائريّ كتاباً عن سيرة الرسول ﷺ، وله كتاب (أشعّة خاصّة بنور الإسلام) بيّن فيه تحامل قومه على الإسلام ورسوله، وقد توفّي هذا المستشرق المسلم في فرنسا ونُقل جثمانه إلى الجزائر ودُفن فيها.
ورصد الشيخ السباعيّ وسائل المستشرقين لتحقيق أهدافهم، ووضّح بأنّهم لم يتركوا وسيلة لنشر أبحاثهم وبثّ آرائهم إلّا سلكوها، ومنها:
– تأليف الكتب في موضوعات مختلفة عن الإسلام واتّجاهاته، ورسوله، وقرآنه، وفي أكثرها كثير من التحريف المتعمّد في نقل النصوص أو إبتارها، وفي فهم الوقائع التاريخيّة والاستنتاج منها.
– إصدار المجلّات الخاصّة ببحوثهم حول الإسلام وبلاده وشعوبهم.
– إرساليّات التبشير إلى العالم الإسلاميّ لتزاول أعمالاً إنسانيّة في الظاهر كالمستشفيات والجمعيّات والمدارس والملاجئ والمياتم ودور الضيافة، كجمعيّات الشبّان المسيحيّة وأشباهها.
– إلقاء المحاضرات في الجامعات والجمعيّات العلميّة، ومن المؤسف أنّ أشدّهم خطراً وعداء للإسلام كانوا يستدعون إلى الجامعات العربيّة والإسلاميّة في القاهرة ودمشق وبغداد والرباط وكراتشي ولاهور وعليكرة وغيرها، ليتحدّثوا عن الإسلام.
– مقالات في الصحف المحلّيّة عندهم، وقد استطاعوا شراء عدد من الصحف المحلّيّة في بلادنا، وقد جاء في كتاب (التبشير والاستعمار) للدكتور عمر فروخ ومصطفى الخالديّ، وهو من أهمّ الوثائق التاريخيّة عن نشاط المستشرقين والمبشّرين لخدمة الاستعمار ما يلي: يعلن المبشّرون أنّهم استغلّوا الصحافة المصريّة على الاخصّ للتعبير عن الآراء المسيحيّة أكثر ممّا استطاعوا في أيّ بلد إسلاميّ آخر، لقد ظهرت مقالات كثيرة في عدد من الصحف المصريّة إمّا مأجورة في أكثر الأحيان أو بلا أجرة في أحوال نادرة.
– عقد المؤتمرات لإحكام خططهم في الحقيقة، ولبحوث عامّة في الظاهر، وما زالوا يعقدون هذه المؤتمرات منذ عام 1873م حتّى الآن.
– إنشاء الموسوعة (دائرة المعارف الإسلاميّة)، وقد أصدروها بعدّة لغات، وقد اطّلع الدكتور مصطفى السباعيّ على بعض الأجزاء حين زار أكسفورد عام 1956م وقال في هذه الموسوعة التي حُشد لها كبار المستشرقين وأشدّهم عداء للإسلام: “قد دُسّ السمّ في الدسم، ومُلئت بالأباطيل عن الإسلام وما يتعلّق به، ومن المؤسف أنّها مرجع لكثير من المثقّفين عندنا بحيث يعتبرونها حجّة فيما تتكلّم به، وهذا من مظاهر الجهل بالثقافة الإسلاميّة، وعقدة النقص عند هؤلاء المثقّفين” (الاستشراق والمستشرقون، المصدر السابق، ص21).
وذيّل كتابه عن المستشرقين بذكر أخطر المستشرقين المعاصرين وأهمّ كتبهم والمجلّات التي يصدرونها في الدول الاستعماريّة الكبرى. وممّن تكلّم فيهم وعرّف بهم:
– (جولد تسيهر): مجَريّ، عُرف بعدائه للإسلام وبخطورة كتاباته عنه، ومن محرّري (دائرة المعارف الإسلاميّة)، كتب عن القرآن والحديث، ومن كتبه: (تاريخ مذاهب التفسير الإسلاميّ) المترجم إلى العربيّة تحت العنوان السابق.
– (زويمر): مستشرق مبشّر، اشتُهر بعدائه الشديد للإسلام، مؤسّس مجلّة (العالم الإسلاميّ) الأمريكيّة التبشيريّة، مؤلّف كتاب (الإسلام تحدّ لعقيدة) صدر سنة 1908م بلكنهو في الهند، وتقديراً لجهوده التبشيريّة أنشأ الأمريكيّون وقفاً باسمه على دراسة اللاهوت وإعداد المبشّرين.
– (عزيز عطيّة سوريال): مصريّ مسيحيّ، كان أستاذاً بجامعة الإسكندريّة، وذكر الدكتور السباعيّ بأنّه في وقت كتابه عن الاستشراق يدرّس في إحدى جامعات أمريكا، شديد الحقد على الإسلام والمسلمين، وكثير التحريف للتعاليم الإسلاميّة، يستعين على الحقد والتحريف بكونه بعيداً عن مصر والمسلمين، له بعض الكتب عن الحروب الصليبيّة.
– (فيليب حتى): لبنانيّ مسيحيّ تأَمرك، كان أستاذاً لقسم الدراسات الشرقيّة بجامعة برنستون بأمريكا، ثمّ رئيساً لهذا القسم، من ألدّ أعداء الإسلام، ويتظاهر بالدفاع عن القضايا العربيّة في أمريكا، وهو مستشار غير رسميّ لوزارة الخارجيّة الأمريكيّة في شؤون الشرق الأوسط، يحاول دائماً أن ينقص دور الإسلام في بناء الثقافة الإنسانيّة، ويكره أن ينسب للمسلمين أي فضل، فقد كتب، على سبيل المثال، في (دائرة المعارف الأمريكيّة) طُبع سنة 1948م تحت عنوان (الأدب العربيّ)، يقول:
“ولم تبدأ أمارات الحياة الادبيّة الجديدة بالظهور إلّا في القسم الأخير من القرن التاسع عشر، وكان الكثرة من قادة هذه الحركة الجديدة نصارى من لبنان، تعلّموا واستوحوا من جهود المبشّرين الأمريكيّين”.
ومحاولات (حتى) انتقاص فضل الإسلام والمسلمين ليست فقط قاصرة على العصر الحديث، ولكنّها تنطبق على جميع مراحل التاريخ الإسلاميّ كما هو موضّح في كتبه مثل (تاريخ العرب) ظهر بالإنجليزيّة وأُعيد طبعه عدّة مرّات، وهو مليء بالطعن في الإسلام والسخرية منه نبيّه، وكلّه حقد وسمّ وكراهية، وكتاب (تاريخ سوريا) وغيرها من الكتب.
– (مجيد قدوري): مسيحيّ عراقيّ، رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط بجامعة جونز هوبكنز في واشنطن، ومدير معهد الشرق الأوسط للأبحاث والتربية بواشنطن، متعصّب حقود على الإسلام وأبنائه، ومن كتبه المشحونة بالطعون والأخطاء (الحرب والسلام في الإسلام) صدر في سنة 1955م، وله مقالات أخرى.
وذكر الشيخ السباعيّ أخطر المستشرقين المعاصرين وأهمّ كتبهم بدراسة تدلّ على وعي وتقصّي ومعرفة لهذه المدرسة وأخطارها وآثارها.
والتقى بالمستشرقين وجهاً لوجه في زيارته العلميّة لجامعات أوروبّا، فزاد إيماناً بخطرهم على تراثنا الإسلاميّ كلّه، سواء كان تشريعاً أم حضاريّاً لما يملأ نفوسهم من تعصّب ضدّ الإسلام والعرب والمسلمين، وذكر في كتابه (الاستشراق والمستشرقين) حواراته ولقائه، وذكر لنا من خلال تجاربه مع كتّاب وكتب وزعماء الاستشراق وممن اجتمع بهم في الجامعات الأوربيّة، ذكر لنا أهمّ الحقائق التي وصل إليها:
– أنّ المستشرقين وجمهورهم لا يخلو أحدهم من أن يكون قسّيساً أو استعماريّاً أو يهوديّاً، وقد يشذّ عن ذلك الأفراد.
– أنّ الاستشراق في الدول الغربيّة غير الاستعماريّة كالدول الاسكندفانيّة أضعف منه عند الدول الاستعماريّة.
-أنّ المستشرقين المعاصرين في الدول غير الاستعماريّة يتخلّون عن جولد تسيهر وأمثاله المفضوحين في تعصّبهم.
– أنّ الاستشراق بصورة عامّة ينبعث من الكنيسة ووزارة الخارجيّة جنباً على جنب يلقى منهما كلّ تأييد.
– أنّ الدول الاستعماريّة كبريطانيا وفرنسا ما تزال حريصة على توجيه الاستشراق وجهته التقليديّة من كونه أداة هدم للإسلام، وتشويه لسمعة المسلمين.
ففي فرنسا لا يزال (بلاشير) و (ماسينيون)، وهما شيخا المستشرقين الفرنسيّين في وقت الدكتور مصطفى السباعيّ – رحمه الله – يعملان في وزارة الخارجيّة الفرنسيّة كخبيرين في شؤون العرب والمسلمين (الاستشراق والمستشرقون، المصدر السابق، ص42).
وفي إنجلترا أنّ الاستشراق له مكان محترم في جامعات لندن وأكسفورد وكامبريدج وأدنبدره وجلاسكو وغيرها، ويشرف عليه يهود وإنجليز استعماريّون ومبشّرون، وهم يحرصون على أن تظلّ مؤلّفات جولد تسيهر ومرجليون ثمّ شاخت من بعدهما هي المرجع الأصليّة لطلّاب الاستشراق من الغربيّين وهم لا يوافقون أبداً على رسالة لطلب الدكتوراه يكون موضوعها إنصاف الإسلام وكشف دسائس المستشرقين.
وهذا ما يحكيه السباعيّ عن تجربة شخصيّة خاضها مع المستشرقين فكشف أباطيلهم وأكاذيبهم وتدليسهم، وخصوصاً جولد تسيهر وآراءه، وإفراد لمناقشته فصلاً خاصّاً في كتابه (السنّة ومكانتها في التشريع الإسلاميّ) بيّن فيها تحامل هذا المستشرق اليهوديّ وتشويهه للحقائق، وتحريفه للنصوص، وتأويله للوقائع التاريخيّة وفق هدفه الذي سعى إليه، واعتماده على مصادر لا قيمة لها في نظر العلم، وتكذيبه للمصادر العلميّة المعترف بها عند أئمّتنا وعلمائنا المحقّقين.
لقد كانت حركة الاستشراق مدعومة من القوّة الكنسيّة والاستعماريّة، ودرسوا التراث الإسلاميّ من جميع نواحيه الدينيّة، والتاريخيّة، والحضاريّة، ومن الطبيعيّ أن تكون الدراسة محجوبة عن إصابة الحقّ فيها لسببين:
أوّلهما: التعصّب الدينيّ الذي استمرّ لدى ساسة أوروبّا وقادتها العسكريّين حتّى إذا دخلت جيوش الحلفاء في الحرب العالميّة الأولى بيت المقدس قال اللورد (اللنبي) كلمته المشهورة: “الآن انتهت الحروب الصليبيّة” أي من الناحية العسكريّة.
أمّا التعصّب الدينيّ: فما يزال أثره باقياً في كثير ممّا يكتب الغربيّون عن الإسلام وحضارته وأكثر.
وقال الدكتور السباعيّ – رحمه الله -: “أكثر ما نجد إنصاف الإسلام ورسوله عند العلماء والأدباء الغربيّين الذين تحلّلوا من سلطة ديانتهم، وتضرب لذلك مثلاً بكتاب (حضارة العرب) لمؤلّفه (غوستاف لوبون) فإنّه أعظم كتاب ألّفه الغربيّون في نصاف الإسلام وحضارته.
هذا لأنّ (غوستاف لوبون) فيلسوف مادّيّ لا يؤمن بالأديان قطعاً، من أجل هذا ومن أجل إنصافه للحضارة الإسلاميّة لا ينظر إليه الغربيّون في أوساطهم العلميّة نظر التقدير الذي يستحقّه علمه، فهو، بلا شكّ، من أعظم علماء الاجتماع والتاريخ في القرن التاسع عشر، ومع هذا فقد تحامل عليه الغربيّون، وخاصّة الفرنسيّين، لما ذكرناه.
والثاني: أنّ القوّة المادّيّة والعلميّة التي وصل إليها الغربيّون في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أدخلت في نفوس علمائهم ومؤرّخيهم وكُتّابهم قدراً كبيراً من الغرور حتّى اعتقدوا أنّ الغربيّين أصل جميع الحضارات في التاريخ، ما عدا المصريّة، وأنّ العقليّة الغربيّة هي العقليّة الدقيقة التأمّل التي تستطيع أن تفكّر تفكيراً منطقيّاً سليماً، أمّا غيرهم من الشعوب، وخاصّة الإسلاميّة، فإنّ عقليّتهم بسيطة ساذجة، وأنّها لا تدرك الكلّيّات، وهم حكموا على ذلك لما ورأوه بأعينهم من ضعف الشعوب التي استعمروها، وما سادها من جهل، وما شملها من تأخّر في كلّ نواحي الحياة.
وتجاهلوا بعمد وإصرار العهود الذهبيّة للحضارة الإسلاميّة التي ساهمت علومها ومعارفها وثقافتها في نهضة الغرب.
وسيطرة الكتابات الاستشراقيّة على طبقات كثيرة من المثقّفين العرب والمسلمين، وساهمت في استلابهم حضاريّاً.
وقال السباعيّ – رحمه الله -: “وكانت فترة من الزمان طغى علينا هذا الشعور بالنقص والضعف وعدم الثقة بأنفسنا إزاء الباحثين الغربيّين وإعظامهم وإكبارهم وعدم السوء بهم، حتّى إذا بدأت حركات الوعي السياسيّ وبدأ استقلالنا السياسيّ عن سيطرة الغربيّين ابتدأ عندنا الشعور بوجوب الاستقلال الفكريّ، الشعور بقيمتنا وحضارتنا وتراثنا.
الشعور بالخجل لموقفنا السابق من اتّكالنا على المستشرقين في معرفة ما عندنا من تراث وعقيدة وتشريع.
وانتشر هذا الوعي في أوساطنا المثقّفة من دينيّة وغيرها، فبدأنا نكتشف الحقيقة؛ حقيقة هؤلاء المستشرقين في أبحاثهم وأهدافهم الدينيّة والاستعماريّة من ورائها.
وما زلنا نسير في هذا الاتّجاه الذي لم يستكمل قوّته واستقلاله الذاتيّ بعد، لأنّها سنّة الله في الأشياء، ولكنّا واصلون إلى هذه المرحلة، بإذن الله” (الاستشراق والمستشرقون، المصدر السابق، ص49).
إلى أن قال: “فإنّي أعتقد أنّه قد انقضى ذلك العهد الذي كنّا فيه نعتمد في مصادر معرفتنا بعلومنا وتاريخنا على هؤلاء الغربيّين مع أنّهم ليست لديهم مصادر إلّا كتبنا ومدوّناتنا، ولئن كنّا بها جاهلين من قبل فلقد آن الأوان أن نرفع عن جباهنا خزي الجهالة بمصادرنا، وعار الاتّكال في فهمها على فهم الغرباء عن لغتنا، وصحّة الاعتقاد بديننا وعلمائنا ما يريد منّا هؤلاء المستشرقون المتعصّبون أن نعتقد في حقّ ديننا وعلمائنا من شكّ وسوء ظن.
ولقد آن الأوان أن نفعل ذلك بما نفضنا عنه الغبار ونشرناه من كنوزنا العلميّة الدفينة، وبما يملأ نفوسنا من وعي كريم، وشعور باستقلال الشخصيّة، ولئن بقي الآن من يُحسن الظنّ بفهمهم أو رأيهم في علومنا فليقرأ، إن شاء الله، مزيداً من التفصيل ما كتبته عن المستشرقين ومناقشتي لآرائهم في كتابي (السنّة ومكانتها في التشريع الإسلاميّ)، وغيره من الكتب التي تكشف عن دسائس هؤلاء المستشرقين، فينكشفون على حقيقتهم كما هم في الواقع، كما أرادوا لأنفسهم أن يكونوا”. (الاستشراق والمستشرقون، المصدر السابق، ص49).
“وإذا كنّا نشتدّ هذه الشدّة في حقّ المحرّفين والمضلّلين أمثال جولد تسيهر، فإنّنا لا نغمط غيرهم من المنصفين حقّهم في نشر نفائس كتبنا القديمة ودأبهم في البحث عن الحقيقة، فليس العلم محتكراً لأمّة دون أمّة، والإسلام هو دين الله للعالم كلّه، لا يمكن أن يستأثر بفهمه قوم دون قوم، فليفهم من شاء ما شاء، بشرط أن يتحلّى بصفة العلماء وهي الإنصاف والإخلاص للحقّ، والبعد عن العصبيّة والهوى” (الاستشراق والمستشرقون، المصدر السابق، ص49).
هذا شيخنا الكبير – رحمه الله – في كشفه لأباطيل وأكاذيب المستشرقين، ولم يقف الشيخ عند هذا الحدّ، فقدّم رؤيته في الحضارة الإسلاميّة من خلال محاضراته وكتبه والتي منها:
– من روائع حضارتنا
وبيّن في هذا الكتاب بأنّه ليس هناك من يستطيع القيام بالدور الحضاريّ المرتقب إلّا أمّة واحدة لما تمتلكه من خصائص تميّزت بها، منها:
– قامت على أساس الوحدانيّة المطلقة في العقيدة، فهي أوّل حضارة تنادي بالإله الواحد الذي لا شريك له في حكمه وملكه، وهو وحده الذي يُعبَد، وهو وحده الذي يُقصد ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5))) [الفاتحة: 5]، وهو الذي يُعزّ ويُذلّ، ويعطي ويمنع، وما من شيء في السماوات والأرض إلّا وهو تحت قدرته وفي متناول قبضته، ها السموّ في الفهم الوحدانيّة كان له أثر كبير في رفع مستوى الإنسان، وتحرير الجماهير من طغيان الملوك والأشراف والأقوياء ورجال الدين.
– وثاني خصائص حضارتنا: أنّه إنسانيّة النزعة والهدف، عالميّة الأفق والرسالة، فالقرآن أعلى وحدة النوع الإنسانيّ رغم تنوّع أعرافه ومنابته ومواطنه في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ))  [الحجرات: 13].
– وثالث خصائص حضارتنا: أنّها جعلت للمبادئ الاخلاقيّة المحلّ الأوّل في كلّ نظمها، ومختلف ميادين نشاطها في الحكم، والعلم، والتشريع، وفي الحرب، وفي السلم، وفي الاقتصاد، وفي الأسرة.
– ورابع هذه الخصائص: أنّها تؤمن بالعلم في أصدق أصوله، وترتكز على العقيدة في أصفى مبادئها، فهي خاطبت العقل والقلب معاً، وأثارت العاطفة والفكر في وقت واحد.
– وآخر ما نذكر من خصائص حضارتنا: هذا التسامح الدينيّ العجيب الذي لم تعرفه حضارة مثلها قامت على الدين (من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية، (3/1242)).

محرر الموقع