الإخوان المسلمون في سورية

فقه الدعوة والحركة عند د. مصطفى السباعي

بقلم: أحمد شوقي عفيفي (داعية إسلامي وكاتب بنغلاديشي)
المصدر: موقع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
يمثل فقه الدعوة والحركة عند الدكتور مصطفى السباعي ذروة ناضجة في مسار العمل الإسلامي المعاصر، حيث تماهت في تجربته معاني التأصيل الشرعي مع وعي عميق بسنن الواقع، وامتزج الفكر النظري بالممارسة العملية في لوحة متكاملة من الإصلاح المتدرج، الذي يستهدف بناء الإنسان في أعماقه، وإحياء المجتمع في قيمه، وتشييد الحياة العامة على أسس من الهدي الرباني.
ولم يكن الدكتور السباعي مفكّراً منزوياً خلف جدران التنظير، بل كان رجل ميدان أصيلاً عركته التجارب، وخبر تعقيدات الواقع، فانعكس ذلك على منهجه الدعوي الذي اتسم بمرونة واعية، وواقعية بصيرة، وعمق فكري يلامس جوهر التحولات ولا يقف عند سطحها.
ينبثق فهم الدكتور السباعي للدعوة من إيمانه العميق بشمولية الإسلام، فهو لا يراه طقوساً معزولة أو شعائر محدودة، بل منظومة حياة كاملة تتداخل فيها العقيدة بالعبادة، والأخلاق بالنظام الاجتماعي، والسياسة بالاقتصاد في نسق متكامل يعيد صياغة الإنسان والكون والحياة.
ومن هنا، فإن الدعوة عنده ليست خطاباً وعظياً عابرا، ولا نشاطاً جزئياً محدود الأثر، بل هي مشروع حضاري يعيد تشكيل الإنسان وفق المنهج الرباني، ويؤسس مجتمعاً متوازناً تسوده القيم، وتحفظ فيه الكرامة الإنسانية.
ولذلك كان يؤكد على ضرورة أن يمتلك الداعية وعياً شاملاً بطبيعة هذا الدين، وأن يكون قادراً على مخاطبة الإنسان في كل أبعاده، لأن حصر الدعوة في زاوية ضيقة لا يفضي إلا إلى تشويه حقيقتها وتقزيم رسالتها.
ويقوم هذا الفقه الدعوي على ركيزة الربانية في المنطلق، حيث تستمد الدعوة صفاءها من الوحي، وتنضبط في مسارها بالكتاب والسنة، فلا تنجرف وراء الأهواء ولا تنساق خلف الضغوط الفكرية المتقلبة.
غير أن هذه الربانية لا تنفصل عن الواقعية، بل تتجسد في وعي دقيق بتعقيدات الحياة، وفهم عميق لطبيعة المجتمعات، ولذلك كان الدكتور السباعي يحذّر من الطرح المثالي المنفصل عن الواقع، ويرى أن نجاح الدعوة مرهون بقدرة الداعية على قراءة بيئته قراءة واعية تستوعب سياقاتها السياسية والاجتماعية والثقافية، ثم تنطلق في معالجتها بالحكمة والبصيرة.
وفي هذا السياق يبرز البعد الإنساني في خطابه، حيث يتوجه إلى الإنسان بوصفه كائناً مكرّما، لا موضوعاً للإدانة أو الإقصاء، فيخاطبه بلغة الرحمة والرفق، ويستميل قلبه قبل عقله، وهو ما منح دعوته قدرة استثنائية على التأثير والانتشار.
ومن المعالم المركزية في فقهه الدعوي إيمانه الراسخ بسنة التدرج، حيث يرى أن التغيير الحقيقي لا يصنع بقرارات فجائية ولا بانقلابات حادة، بل ينمو في مسار هادئ متدرج، يبدأ ببناء الفرد الواعي، ثم ينتقل إلى الأسرة، فالمجتمع حتى تتشكل البيئة القادرة على احتضان القيم الإسلامية وترجمتها إلى واقع حي.
وهذا التدرج عنده ليس خياراً مرحليا، بل هو قانون من قوانين التغيير التي دلت عليها التجربة النبوية والتاريخ الإسلامي، ولذلك كان شديد التحذير من الاستعجال الذي يقفز على السنن أو من محاولات فرض التغيير بالقوة قبل اكتمال شروطه، لما يترتب على ذلك من انتكاسات تضر بالدعوة وتشوه صورتها.
ويرتبط بهذا المبدأ مفهوم الحكمة، الذي يشكل جوهر المنهج الدعوي عنده حيث تتجلى في حسن تقدير المواقف، واختيار الأساليب الملائمة، وترتيب الأولويات، والانصراف عن الجزئيات إلى القضايا الكبرى التي تصنع التحول الحقيقي.
أما في فقه الحركة، فقد تجاوز الدكتور السباعي حدود العمل الفردي إلى أفق العمل الجماعي المنظم، إدراكاً منه أن التغيير الشامل لا تنهض به الجهود الفردية مهما بلغت، بل يحتاج إلى إطار مؤسسي ينسق الطاقات ويوجهها نحو غايات واضحة. ومن هنا أسهم في بناء العمل الحركي على أسس من الشورى والانضباط، فرفض الاستبداد بالرأي، وأكد أن الشورى ليست مجرد إجراء شكلي، بل روح تسري في جسد الحركة، تحفظ توازنها وتضمن رشد قراراتها. كما شدد على أهمية الالتزام والانضباط باعتبارهما صمام الأمان لأي عمل جماعي في مقابل الفوضى التي تفضي إلى تشتت الجهود وضياع المقاصد.
ومع ذلك لم يكن ينظر إلى التنظيم بوصفه قالباً جامدا، بل كان يؤكد على ضرورة مرونته وقدرته على التكيف مع التحولات، حتى يظل حيّاً متجددا، قادراً على الاستجابة لتحديات الواقع المتغير.
وهكذا تتجلى في تجربة الدكتور السباعي معالم فقه دعوي حركي متكامل يجمع بين صفاء المرجعية وعمق الوعي، وبين ثبات المبادئ ومرونة الوسائل ليقدم نموذجاً راقياً للعمل الإسلامي الرشيد، القادر على استيعاب تعقيدات الواقع دون أن يفقد بوصلته، وعلى صناعة التغيير دون أن يصطدم بسننه، في مسار إصلاحي طويل النفس، يستمد قوته من توازنه، وفاعليته من حكمته، وأصالته من انتمائه إلى معين الوحي الخالد.
ومن أخصب الجوانب في فقه الدكتور مصطفى السباعي قدرته البديعة على المزاوجة بين الدعوة والسياسة دون أن يطغى أحدهما على الآخر أو يبتلع مجاله. فلم ينظر إلى السياسة بوصفها ساحة ملوثة ينبغي الفرار منها، ولا باعتبارها غاية تستحق أن تضحى من أجلها المبادئ، بل رآها ميداناً من ميادين الدعوة إذا انضبطت بأخلاق الإسلام، واستقامت على قيمه.
وقد جسّد هذا التصور في تجربته العملية حين انخرط في العمل البرلماني في سورية، فكان حضوره السياسي امتداداً لرسالته الدعوية، لا انفصالاً عنها، يسعى من خلاله إلى نصرة قضايا الأمة، وصيانة القيم، وتحقيق الإصلاح من داخل مؤسسات الدولة بروح مسؤولة تجمع بين الجرأة في الموقف، والحكمة في الأداء.
غير أنه في الوقت ذاته، وضع حدوداً دقيقة لهذا الانخراط، فحذّر من أن تستحيل السياسة إلى غاية تستأثر بالجهود وتطغى على المقاصد أو أن تنزلق إلى مستنقع المناورات التي تفقد الدعوة نقاءها الأخلاقي. كما نبّه إلى خطورة الانجرار وراء صراعات عبثية تستنزف الطاقات دون أن تثمر إصلاحاً حقيقيا.
ويتجلى الاعتدال في فقهه تجلّياً ناصعا، إذ كان يمثّل صورة راقية للوسطية الإسلامية التي تمسك بطرفي المعادلة: ثبات راسخ على المبادئ، ومرونة واعية في الوسائل.
فلم يكن من دعاة التشدد الذي يضيق واسعا، ولا من أنصار التسيب الذي يفرغ القيم من مضمونها، بل سلك سبيلا وسطاً يجمع بين الحزم والرحمة، وبين الوضوح والانفتاح. ومن هنا جاءت دعوته قادرة على مخاطبة العقول والقلوب معا، تستوعب مختلف فئات المجتمع، وتبني جسورا من الثقة مع المخالفين، دون أن تتنازل عن ثوابتها أو تذوب في غيرها.
لقد كان يرى أن قوة الدعوة لا تكمن في صخبها، بل في توازنها، ولا في حدّتها، بل في حكمتها، وأن الوسطية ليست موقفاً رماديا، بل اختيار واعٍ يجمع بين الحق والرحمة.
ولم يكن البعد الاجتماعي في فكر الدكتور السباعي هامشاً تابعا، بل كان في صميم رؤيته الدعوية، إذ أدرك أن الدعوة التي تنفصل عن آلام الناس وآمالهم تظل خطاباً معلّقاً في الفراغ.
لذلك جعل من خدمة المجتمع جزءاً أصيلاً من رسالة الداعية، فاهتم بقضايا الفقر، وسعى إلى ترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية، ودعا إلى نشر التعليم وبناء الإنسان مؤمناً بأن إصلاح الواقع لا يتم إلا عبر معالجة اختلالاته المعيشية. وقد عبّر عن هذا التوجه بجلاء في كتابه اشتراكية الإسلام، حيث حاول أن يقدم نموذجاً إسلامياً يحقق التوازن بين العدالة والحرية، ويواجه النزعات المادية التي تختزل الإنسان في بعده الاقتصادي.
وكان يؤكد في هذا السياق، أن الكرامة الإنسانية مقصد أصيل من مقاصد الشريعة، وأن رفع الظلم عن الناس، والسعي في مصالحهم، ليس عملاً ثانويا، بل هو لبّ الدعوة وروحها.
ومن خلال هذه المعالم تتبدى قيمة فقه الدعوة والحركة عند الدكتور السباعي بوصفه رصيداً حيّا ًيمكن استثماره في قراءة الواقع المعاصر، فهو فقه يتجاوز الثنائية المصطنعة بين الأصالة والمعاصرة، فيجمع بين ثبات المرجعية ومرونة التنزيل، وبين الوفاء للثوابت والانفتاح على المتغيرات. وهو في جوهره منهج إصلاحي طويل النفس، يتجنب الاستعجال الذي يفسد أكثر مما يصلح، ويحذّر من الصدام غير المحسوب الذي يبدد الجهود، ويركّز على البناء العميق الذي يرسخ القيم في النفوس قبل أن يطالب بتجلياتها في الأنظمة.
وفي زمن تتشابك فيه الأزمات، وتتعدد فيه التحديات، تبرز الحاجة الملحة إلى استلهام هذا النموذج المتوازن الذي يجمع بين العلم والحكمة والتنظيم، ويعيد توجيه العمل الدعوي نحو غاياته الكبرى في بناء الإنسان، وإصلاح المجتمع، وتحقيق نهضة الأمة على هدي من الوحي، وبصيرة من الواقع.

المراجع:
1. اشتراكية الإسلام، الدكتور مصطفى السباعي
2. الدين والدولة في الإسلام، الدكتور مصطفى السباعي
3. هكذا علمتني الحياة، الدكتور مصطفى السباعي

محرر الموقع