حسين عبد العزيز

 

لم تكن الانتخابات في سورية، منذ سيطرة حزب البعث، شأناً عاماً كما في الدول الديمقراطية، أو السائرة في الطريق الديموقراطي، فلم تستطع العملية الانتخابية (رئاسية، برلمانية، محلية) نقل القوة الاجتماعية الكامنة في الأفراد والجماعات إلى قوة سياسية/ قانونية، تعبّر عن نفسها بأدوات ديمقراطية.

 

كانت الانتخابات، وما زالت، مجالاً للحيز الخاص، حيث ظلت محصورةً باهتمام المرشّح والمقرّبين منه، سواء كانوا من العائلة أو من الأصدقاء أو من المستفيدين في محيط عمله، ولم تدخل في أي يوم في دائرة اهتمامات الجمهور الواسع.

 

كان يفترض أن تجري الانتخابات المحلية عام 2016، لكن النظام والروس أدركوا حينها أنها ستكون بلا جدوى، لعدم نضوج الشروط العسكرية المحلية والظروف الدولية، لكنهما الآن، بُعيد سيطرة النظام على مناطق كثيرة، ومع اقتراب إطلاق العملية التفاوضية السياسية، يعتقدان أن الظروف مناسبة لإجراء الانتخابات المحلية.

 

ويبدو أن دمشق وموسكو تعوّلان كثيراً على الانتخابات المحلية، ضمن ما يمكن تسميته الوعي السياسي الزائف، في محاولةٍ لشرعنة النظام أمام المجتمع الدولي، وإظهاره بمظهر المستجيب للمطالب الدولية السياسية، في اعتماد الديمقراطية التدريجية التي تبدأ أولاً من القاعدة الاجتماعية، عبر مشاركة شعبية في اختيار ممثلي الحكم المحلي.

 

ولأن المجتمع الدولي، والأمم المتحدة خصوصاً، ركّزوا على أن الحل في سورية يجب أن يبدأ من البنى التحتية، وأن اللامركزية يجب أن تكون أحد أهم عناوين الحل السياسي، حشد النظام والروس، ومعهم الإيرانيون، كل طاقتهم لإبراز هذه الانتخابات. ولذلك تم إبراز شعارات “تعزيز اللامركزية الإدارية” و”ترسيخ مفهوم المواطنة”.

 

وستستخدم روسيا الانتخابات المحلية ورقة ضغط في مفاوضات الدستور المقبلة، لإحداث اختراقٍ ما في جدار المفاوضات، بعدما فشلت في استثمار نجاحاتها العسكرية على المستوى السياسي. وأول رسالة ستوجهها روسيا إلى الدول الغربية أن دستور 2012، والمراسيم التشريعية المتعلقة بالانتخابات تصلح للحل السياسي، مع إمكانية تطويرها لا إلغائها. ولذلك اعتمد النظام السوري ألاعيب بهلوانية، مثل عدم إلزام الناخب التقيّد بالقوائم المطبوعة، مستقلة كانت أم قائمة “الوحدة الوطنية” التي تضم الأحزاب التابعة للسلطة (حزب البعث) والقوى السياسية والاجتماعية الموالية، مع استبعاد ترشّح أي شخصٍ لقائمة “الوحدة الوطنية”، سبق أن ترشّح في انتخابات العام 2011، واشتراط أن يكون الشخص “وطنياً.. لم يقم بإهانة الدولة السورية”.

 

كما ستستخدم روسيا هذه الانتخابات ورقة مهمة في مفاوضاتها مع المجتمع الدولي، وخصوصاً الأوروبيين، من أجل فتح ملف إعادة الإعمار، سيّما أن النظام وروسيا يعملان على جعل “المجالس المنتخبة” أداةً تنفيذيةً في هذا الملف، وليس مصادفةً أن يكون وزير الإدارة المحلية نفسه المسؤول عن ملف إعادة الإعمار.

 

وتبدو الفرصة الآن مواتيةً لموسكو لإبراز أهمية هذه الانتخابات، بعدما قصفت ودمرت مجالس المعارضة المحلية في مناطق سيطرتها، كونها كانت نموذجاً رائداً من الحكم الذاتي الديمقراطي، لم تعرفه البلاد منذ ستينيات القرن الماضي.

 

ومع كل هذه الخطوات التي قام بها النظام، في بيئة اجتماعية متماهية بالقوة مع خطابه، بقيت فكرة الانتخابات هاجساً يؤرّقه، بحيث يجب أن تتم هندستها، كي تؤدي إلى النتائج المطلوبة، ومنع أي احتمالات لبروز أصواتٍ لا تتماهى معه. ومن هنا، عمد النظام إلى تعيين أعضاء المكاتب التنفيذية ورؤساء المجالس، بقرار من السلطة المركزية، عوضاً عن انتخابهم من المجالس نفسها، على خلاف المرسوم التشريعي 107 لعام 2011 الذي حدّد الانتخابات أساساً لاختيار معظم الممثلين المحليين، مع استثناء المحافظين الذين يختارهم رئيس الدولة. وفضلاً عن ذلك، يعطي القانون المجلس الأعلى للإدارة المحلية الذي يترأسه رئيس مجلس الوزراء، وينوب عنه وزير الإدارة المحلية، حق وضع الخطة الوطنية اللامركزية.

 

تعتبر هذه الانتخابات الثالثة من نوعها، بعد الرئاسية عام 2014 والتشريعية عام 2016، مثالاً صارخاً على أن النظام لن يقبل، بأي شكل، حصول تحوّل ديمقراطي في سورية، والسماح للمعارضة بولوج السلطة حتى من بوابة الحكم المحلي. وهي رؤية تتباين مع رؤية المعارضة التي تركز على اللامركزية الإدارية التي بموجبها توزّع الحكومة المركزية المهام الإدارية إلى هيئات محلية مستقلة ومنتخبة، تمارس مهامها على إقليم جغرافي محدّد.

 

وعلى خلاف قانون الإدارة المحلية الحالي، تسعى اللامركزية الإدارية، حسب المعارضة، إلى توسيع سلطات الهياكل الإدارية المحلية (بلديات، مجالس جهوية، مؤسسات عمومية)، لتشمل قدراً أكبر من اللامركزية المالية، فالقانون القائم لا يسمح بتقاسم الإيرادات مع الحكومة المركزية، ولا حدود لصلاحيات الحكومات المحلية في زيادة مواردها الخاصة.

 

العربي الجديد