عبد الله عيسى السلامة

 

 

كتب ابنُ الجوزي، من مئات السنين، كتاباً، سمّاه: تلبيس إبليس، وذكر فيه، أنواعاً كثيرة، من التلبيس، في شؤون عدّة، وعلى فئات عدّة، من البشر! وقد كان حريصاً، على وصف الواقع، في كلّ حالة، من حالات التلبيس! وبرغم ذلك، عَدّ بعضُ الملبّس عليهم، أو الذين رأى أنهم ملبّس عليهم، عدّ بعضُهم كتابه، من تلبيسات إبليس!

 

من معاني التلبيس:

 

في كتب اللغة: لبّس عليه الحقائق، وستر حقيقتها، وأظهر خلافَها: جعَلَها غيرَ واضحة!

 

والتلبيس: خلط الأمور، بعضها ببعض، حتى لاتُدرى حقيقتها!

 

من معاني التدليس: دلّس الشيء تدليساً، زيّفه، غَشّه، فهو مدَلِّس، والمفعول مدَلَّس!

 

دلّس البائعُ: أخفى عيوب بضاعته، عن المشتري!

 

دلّسَ المحّدثُ، في الإسناد: أتى في حديثه، بغير الثابت المَتين!

 

وما أكثرَ مايستعان، عند التلبيس، بالتدليس!

 

* *

 

تلبيس المصالح الخاصّة، ملابسَ المصالح العامّة:

 

في المصالح الوطنية: تلبيس المصالح الخاصّة، أو الشخصية، ثيابَ المصلحة الوطنية، من أقدم أنواع التلبيس، ومن أكثرها استعمالاً وشيوعاً، لدى الساسة، عامّة، وذلك؛ لقِدم المصلحة الوطنية، في الدول، بأنواعها؛ ولا سيّما حين يكون رأسُ الدولة، الملكُ، أو الرئيس، مستبدّاً، ويمزج، بين الوطن، وبين شخصه؛ فيكون الحديث عن الوطن، بالضرورة، حديثاً عن رأس الدولة، كما يكون الحديث، عن رأس الدولة، حديثاً عن الدولة، ذاتها؛ أيْ : عن الوطن، ذاته! فينتهك رجال الأمن، حرمات الناس، باسم المحافظة، على أمن الدولة، وهم يحافظون، بذلك، على أمن رأس الدولة!

 

وفي الانتخابات العامّة: تشريعية، وبلدية، وغيرها.. يُكثرالمترشّحون للفوز، في المقاعد، من الحديث عن المصلحة الوطنية؛ لينالوا أصوات الناخبين! وقد يكون المترشّح انتهازياً، أو أنانياً، يضحّي بالوطن، كلّه، للحصول على مكسب شخصي له، أو منفعة خاصّة ! ولو تحدّث أيّ مرشّح، عن مصلحته الخاصّة، في الانتخابات، فلن ينتخبه أحد!

 

وينسحب هذا، على سائر الانتخابات العامّة، على مستوى الدولة!

 

ومن طرائف البرامج الانتخابية: أن مرشّحاً للفوز، في عضوية بلدية، في إحدى الدول، وضَع في برنامجه الانتخابي، هدفاً أساسياً له، فيما لو فاز في الانتخاب، هو تحرير فلسطين، إضافة إلى الأهداف الكبرى، في بلاده، على مستوى الدولة، كلّها، لا على مستوى المدينة، التي يرشّح نفسه، لعضوية بلديتها، فحسب!

 

في المصالح الحزبية: أمّا المصلحة الحزبية، في الانتخابات الداخلية، لكلّ حزب، فالشعارات تختلف، باختلاف الأهداف والتوجّهات، والإمكانات الداخلية للحزب! وسائرُ المتنافسين على المقاعد، في قيادة الحزب، يضعون نصب أعينهم، مصلحة الحزب، على أنها فوق المصالح الخاصّة، دون أن يجرؤ أحد، على اتّهام غيره، بالكذب أو الخداع؛ لأن الجميع معرّضون، للاتّهام بهذه الصفات، فيما لو أُطلِق العنان، للاتهامات، لأن تسود أجواء الانتخاب!

 

في الأحزاب العَقَدية (الآيديولوجية): أمّا الأحزاب، ذات الطابع العقدي، أو الآيديولوجي، فيأتي الحديث عن العقيدة، فيها، قبل كلّ حديث، سواء أكانت هذه الأحزاب، ذات مبادئ اشتراكية، أم شيوعية، أم دينية!

 

وممّا يلفت النظر، بقوّة، أن الأغطية العامّة تسوّغ، عادةً، كثيراً من الأمور المجرّمة، خُلقياً، أو دينياً : كالكذب، والغشّ، والخداع، والتزوير، والتدليس، وخلط الحقائق بالأباطيل.. مادامت المصلحة العليا، هي الهدف المعلن! ووسائلُ الإعلام، الخاصّة بكلّ سياسي، تخدم أهدافه، بالأسلوب المناسب!