رضوان زيادة

 

من الضروري تحقيب الثورة السورية إلى خمس مراحل رئيسية وفقاً لطبيعة وتصنيف انتهاكات حقوق الإنسان ووفقاً للفاعلين ومرتكبي هذه الانتهاكات، فقد مرّت الثورة السياسية بخمس مراحل رئيسيّة. أوّلها مرحلة سلميّة شهدت خروج المظاهرات مطالبة برحيل الرئيس بشار الأسد وإدخال تغييرات جذرية على شكل النظام السياسي بما فيها انتخابات رئاسية وبرلمانية وتغيير الدستور الحالي لعام 2012 نحو دستور ديمقراطي يسمح بالتعددية السياسية والحزبية، إلّا أنّ هذه المظاهرات تمّ التعامل معها منذ الأسبوع الثاني من شهر نيسان (أبريل) 2011 من قبل النّظام وفقاً لسياسة “Shoot to kill policy”، «إطلاق النار ليس بهدف تفريق المتظاهرين وإنما بهدف قتلهم» والذي سعى من خلال هذه السياسة إلى قتل أكبر عدد من المتظاهرين بغاية ترهيبهم. ولذلك كانت كل الإصابات في القلب والرأس حسب تقرير توثيقي قامت بها منظمة «هيومن رايتس واتش». كما تمّ تسجيل مقتل أكثر من 6300 ناشط سلمي خلال الفترة الممتدّة من آذار(مارس) 2011 إلى أيلول (سبتمبر) 2011 وذلك من أجل إخماد الثورة السّوريّة نهائيّاً.

 

أدّى ذلك إلى تحرّك المنظمات الدولية وخاصّة جامعة الدّول العربية في محاولة لإيجاد حل سياسي عبر إرسال المراقبين لإقناع النّظام بالتخلّي عن قتل المتظاهرين بالرصاص الحيّ والسماح بالمظاهرات السلمية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين.

 

المرحلة الثانية كانت مرحلة تحول الثورة السورية إلى العنف، وهو ما أصبح يطلق عليه البعض بالثورة المسلحة حيث لعبت عوامل عدة في تحول الثورة السورية السلمية إلى ثورة مسلّحة. أوّلاً، اندلاع الثورة الليبيّة وانتشار السلاح وتدخل ال»ناتو» الذي تفاءل به السوريون ليساعدهم على إطاحة نظام بشار الأسد. ثانياً، ارتفاع عدد القتلى من المتظاهرين السلميين وعدد المعتقلين وكل من لهم علاقة بالنشاط السلمي ومنع النظام الجرحى من العلاج وأبرز هذ الحالات كان قتل الناشط غياث مطر صاحب فكرة تقديم الورود خلال المظاهرات إلى الأجهزة الأمنيّة كرسالة سلام للنظام، وتعذيب الطفل حمزة الخطيب وتامر الشرعي وغيرهم. ثالثاً حجم التعذيب الممارس ضد الناشطين السلميين داخل السجون السورية والتي أدت إلى مقتل الكثير منهم تحت التعذيب. هذه العوامل دفعت السوريين إلى التسلّح في أواخر عام 2011.

 

المرحلة الثالثة وهي مرحلة العسكرة الكاملة للثورة السورية عبر تزايد الانشقاقات الفرديّة والأفقيّة عن الجيش السوري. كما أنها تميزت على المستوى الدّولي، عبر تدخل كل من روسيا والصين في كل المنابر الدولية بما فيها مجلس الأمن الدولي من أجل حماية نظام الأسد حيث استخدمت روسيا الفيتو 13 مرة داخل مجلس الأمن لمنع أي إدانة للنظام السوري. وهو ما أعطى ضوءاً أخضر للنظام السوري أنه تحت شكل ما من أشكال الحماية الدولية شجعته على استخدام سلاح الجو. فمن تموز (يوليو) 2012 وحتى اليوم استخدم النظام السوري سلاح الجو وخاصة البراميل المتفجرة (عبارة عن صندوق حديدي توضع داخله قطع من الحديد وكمية كبيرة من مادة شديدة الانفجار وتبلغ تكلفته من 8 إلى 10 دولارات) عبر إلقائها في شكل عشوائي وهو ما يعتبر في القانون الدولي الإنساني الدولي جريمة حرب.

 

أمّا المرحلة الرابعة فهي مرحلة استخدام نظام بشار الأسد للأسلحة الكيماويّة. فمقابل صمود المعارضة وتمكّنها من تحرير بعض المناطق في الشمال السوري وريف دمشق. استخدم النظام السلاح الكيماوي 31 مرّة. فقد سقط في الغوطة الشرقية في آب (أغسطس) 2013 ما يفوق 1400 شخص بينهم 400 طفل في أوسع عملية لاستخدام السلاح الكيماوي. حيث أطلق النظام السوري 7 صواريخ محملة برؤوس كيماويّة على منطقة يقطنها مدنيون بالكامل في الغوطة الشرقية وبحدود الساعة الثانية صباحاً، ما ضاعف عدد القتلى نتيجة استخدام هذا السلاح الكيماوي.

 

أمّا المرحلة الخامسة والأخيرة من الثورة السورية فهي في أيلول (سبتمبر) 2015. مع بداية التدخل العسكري الروسي لمصلحة النظام بهدف سحق المعارضة المسلحة في شكل نهائي، مهما كانت تكلفة ذلك على المدنيين كما بدى ذلك واضحاً في العملية العسكرية التي قادتها روسيا في حلب في كانون الأول (ديسمبر) 2016 ثم في الغوطة الشرقية في عام 2017 وقد صرّح وزير الدفاع الروسي بوجود 63 ألف جندي روسي على الأراضي السوريّة.

 

كانت الحرب متوازنة تقريباً بين النظام والمعارضة، إلّا أنّ موازين القوى انقلبت عند التدخّل الروسي. فتمّت السيطرة على شرق حلب من قبل الميليشيات الإيرانيّة التي انتهجت سياسة لا فرق في القتل بين المدنيين والعسكريين مثلها مثل روسيا. فانسحب ما يقارب 35 ألف من المدنيين السوريون حفاظاً على أرواحهم. وقد لجأ معظمهم اليوم إلى تركيا الذي يتواجد فيها ما يفوق عن 4 مليون لاجئ سوري. وتكرّر السيناريو ذاته في كثير من المناطق مثل حمص ودرعا وإدلب. ونتيجة هذه الفوضى، تكوّن «داعش» عام 2013 الذي كان يقاتل المعارضة السورية ويسيطر على المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة من أجل الانتشار والسيطرة على أكبر مساحة من الأراضي في سورية والعراق مع تطبيق نظام حكم قروسطي، في منتهى الانتهاك لحقوق المرأة والطفل في شكل خاص ومن دون أي احترام للحقوق الأساسية والسياسية منها في شكل خاص.

 

ومع بدء «داعش» إعدام عدد من الصحفيين الغربيين والسيطرة على الموصل في العراق تحرك التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركيّة للقضاء على التنظيم من دون اكتراث لما يحصل في الأرض السورية، حيث استمر نظام الأسد باستهداف المدنيين وقتلهم بكل أنواع الأسلحة التقليدية.

 

لقد انتهت سورية التي نعرفها ونتيجة الحرب انخفض عدد السكان من 23 مليوناً عام 2011 إلى 15 مليون ساكن فقط. والرؤية الوحيدة لما يسمى الحل السياسي في سورية هو اتّفاق جنيف الذي توصّل إليه الأمين العامّ السابق للأمم المتحدة كوفي عنان في 2011، والذي يقوم على تشكيل حكومة انتقالية مشكّلة من قبل النظام والمعارضة ولهما حق الفيتو المتبادل وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين والسماح بالتظاهرات السلميّة والتخلي عن الأسلحة الثقيلة في المدن. غير أنّ ما حدث خلال السنوات السبع الأخيرة كان عكس ذلك تماماً. حيث أصبحت سورية ساحة لارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية يومياً وفق تعبير لجنة التحقيق الدولية المستقلة.

 

* كاتب سوري

 

الحياة اللندنية