مصطفى الطحان (رحمه الله تعالى) *

 

إن الحركات الإسلامية اليوم تواجه تحديات تتطلب حلولاً، منها تحديات الإسلام والسياسة. فما زالت الحركات الإسلامية متنوعة الأفكار، متنوعة الأساليب. بعضها يرى في التربية الربانية الخلاص، ويعتبر الانهماك في السياسة من العيوب التي ينبغي التخلص منها. وأمثال هؤلاء يقعون في خطأ قاتل، كثيراً ما يحرفهم بعيداً عن الهدف، فقد تصوروا العملية التربوية قضية مجردة معزولة عن واقع الحياة، يكفي لإنجازها أن يجلس أحدهم في غرفة يتلقى العلم من أحد الأفاضل، أو يعكف على قراءة كتاب مفيد، فإذا ما اضطرتهم الظروف أن يعاركوا الحياة تعاملوا معها بجهل مطبق.

 

وينطبق ذلك على الحركات التي تُقصي نفسها عن السياسة، وتزعم أن السياسة من أفاعيل الشيطان التي لا تليق بالمؤمنين، وفي أول عملية انتخابات (على سبيل المثال) يمنحون أصواتهم للحكومات الطاغية، رداً لتحية هذه الحكومات التي سهلت لهم حرية الجلوس في الغرفات ينهلون العلم الذي هو أقصى درجات اهتمامهم، ولم يفكروا مرة واحدة أنهم بفعلهم هذا إنما أمدّوا الحكومات الظالمة (التي أعلنت نفسها علمانية تحارب الإسلام)، بأسباب الحياة والبقاء.

وهؤلاء لم يكتفُوا بما يفعلونه، وإنما نصبوا أنفسهم مهيمنين على أفكار الآخرين، فألصقوا بهم كل نقيصة ممكنة، فهم في زعمهم يستغلون الدين ويقحمونه في السياسة التي لا تليق أساساً بالمسلمين الربانيين العابدين.

 

لقد كانت القضية المطروحة هي أن الدين شيء والسياسة شيء آخر، فلا يجوز تسييس الدين ولا تديين السياسة، لأن الدين علاقة الإنسان بربه، بينما تمثل السياسة علاقة الإنسان بالإنسان.

 

واستراح هذا المفهوم في الذهنية العامة، حتى استغرق فيه الكثيرون من علماء الدين الذين يدرّسون الفقه من كتاب الطهارة حتى كتاب الديات، ولكنهم يحركون الجانب الفردي من الإنسان، ويهملون الجانب الاجتماعي الذي ينطلق من دائرة الإنسان والدولة، لأنها ليست بذات موضوع (بالنسبة لهم)، لأن الواقع لا يسمح بقيام دولة إسلامية (بزعمهم)، إذاً لا بد من التعايش مع الأنظمة المنحرفة على أساس التقية الفكرية والعملية.

 

وجاءت الحركة الإسلامية لتخترق كل هذا الواقع، وتجتذب إليها الجيل الإسلامي المنفتح على الحياة. وبدأت الساحات تدفع بالشباب الذي يفكر بالإسلام من موقع سياسي مميز شامل، ومن موقع حضاري متحرك في عناصره وخصائصه التي تفصله عن الثقافات الأخرى. جاءت الحركة الإسلامية وهي تدعو إلى حكم الإسلام كله للحياة كلها.

 

وتداخلت العبادة مع الحياة، والحياة مع السياسة، فلم يعد هناك أي انفصال بين وعي الروح في العبادة ووعي الروح في السياسة، لأن كلمات العبادة، وفي مقدمتها كلمة: “الله أكبر”، تحولت إلى إيحاءات سياسية تربط الإنسان بالله، وتربطه بالحياة. وبدأ المسلم يثق بنفسه من خلال ثقته بإسلامه، فقد أصبحت له شخصية جديدة تفصله عن الشخصيات الأخرى، لا انفصال العزلة عن الناس، ولكن انفصال الشخصية ذات الملامح الأصيلة المتميزة عن الشخصيات المزيفة والحضارات المستكبرة.

 

وكما فوجئت القوى المتربصة المتحكمة بالمسلم الجديد يتمرد على التخلف وعلى الانهزامية وعلى الانعزالية… فوجئت كذلك القوى التقليدية. وكما راحت القوى المتربصة تحاصر الصحوة الإسلامية، فإن القوى التقليدية بدأت بالتشكيك والاتهام والتهويل، حتى بدا للعيان أن القوى التقليدية أقرب للسلطة الظالمة والقوى الخارجية المتربصة منها إلى شباب الصحوة وتجمعاتها.

 

خلاصة الأمر أن الصحوة الإسلامية كسبت كل هذا الزخم، واستطاعت أن تنفذ إلى الواقع الإسلامي من النافذة السياسية التي تطل على قضايا الناس في الحرية والعدالة.

 

وكلمة السياسة هنا لا تعني بحال إهمال الجوانب الثقافية والروحية والتعبدية، بل الكل معاً في توازن دقيق يشكل بمجمله شخصية المسلم الحركي الرباني المتوازن.

 

————————————————-

* [باختصار، من مقال منشور في مجلة الدعوة – شباط 1997م. بقلم: مصطفى الطحان]