الإخوان المسلمون في سورية

السياسة الأمريكية المزدوجة في سوريا

باسل الحاج جاسم

 

حظي قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، سحب القوات الأمريكية من سوريا، بتغطية واسعة من وسائل الإعلام والمحللين السياسيين، حيث وصفه البعض بأنه تغيير في الاستراتيجية، بينما ذهب آخرون إلى حد اعتباره “خيانة” للحلفاء. والجق أن ترامب تحدث عدة مرات خلال حملته الانتخابية عن عزمه سحب القوات الأمريكية من سوريا، ولم يكن قراره الأخير سوى إيفاء بالوعود التي قطعها.

 

إن تركيز وسائل الإعلام على قرار ترامب الانسحاب من سوريا يعيد إلى الأذهان الاهتمام الإعلامي الكبير الذي حظيت به قمة هلسنكي التي جمعت بين الزعيمين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترامب.

 

التقى الزعيمان في هلسنكي في تموز/ يوليو 2018. وكان ترامب قد عبر خلال حملته الرئاسية، عن نيته إقامة علاقات جيدة مع الكرملين، وكانت قمة هلسنكي من قبيل البداية. مثل هذا اللقاء أول محادثات مباشرة بين الزعيمين، وقد  دوصفها ترامب بأنها “حوار مثمر للغاية”، في حين اعتبرها الرئيس الروسي “صريحة ومفيدة” وتحدث عن “رغبة مشتركة في إعادة العلاقات إلى الدرجة المقبولة من الثقة، والعودة إلى المستوى السابق للتعاون بشأن جميع القضايا التي تمثل اهتماما مشتركا.”

 

أثار اجتماع هلسنكي موجة من الانتقادات والغضب ضد ترامب من وسائل الإعلام والمراقبين والمسؤولين الأمريكيين. وغرد  السيناتور الجمهوري، ليندسي غراهام على موقع تويتر ووصف اللقاء بأنه “فرصة أضاعها ترامب ليحاسب روسيا بشدة على تدخلها في الانتخابات الرئاسية عام 2016”.

 

* عن علاقات ترامب بوتين

 

توقع المراقبون أن يوجه ترامب اللوم لروسيا على الأقل بسبب تدخلها في الانتخابات الأمريكية، ولا سيما بعد أن وجه روبرت مولر المحقق الخاص في قضية التدخل الروسي في الانتخابات اتهاماً إلى 12 ضابطاً روسياً بقرصنة حواسيب الحزب الديمقراطي، الأمر الذي أثر في نتائج الانتخابات الرئاسية. لكن ترامب لم يلب التوقعات ولم يدن روسيا قط في المؤتمر الصحفي مع بوتين، بل إنه صرخ  قائلاً “الرئيس بوتين يقول إن روسيا لم تقم بذلك. ولا أرى أي مبرر لحدوث ذلك”، كما أوضح أنه “بحث مباشرة مع الرئيس بوتين مسألة التدخل الروسي في الانتخابات، لكنه لم يكشف أي تفاصيل حول المناقشات. وهاجم ترامب التحقيق الذي يجريه مولر، ووصفه بأنه “كارثة على بلدنا” وألقى باللوم على التخقيق في القطيعة بين البلدين.

 

وأكد ترامب أنه “لم يكن هناك تواطؤ على الإطلاق” معرباً عن اهتمامه بالحوار مع روسيا تجاه “الصداقة والتعاون والسلام”. كما أظهر أنه كان حريصاً على إعادة روسيا إلى مجموعة السبع ورفض إدانتها لضمها شبه جزيرة القرم.

 

وفي الآونة الأخيرة، زعم تقرير لصحيفة واشنطن بوست أن “ترامب أخفى تفاصيل مهمة حول محادثات هلسنكي”. وعندما سئل ترامب عن رغبته في الإفصاح عن تفاصيل محادثاته مع الرئيس الروسي الصيف الماضي، أجاب قائلاً “لاأملك شيئاً لأخفيه”.

 

لم تكن قمة ترامب مع روسيا الإجراء الوحيد المستهجن خلال فترة ولايته المتقلبة، حيث تعرض أيضاً لانتقادات حادة بعد حضوره قمة حلف الناتو في بروكسل في يوليو عام 2018. وخلال الاجتماع الصاخب مع قادة حلف الناتو، أغضب ألمانيا، متهمة إياها بعدم بذل ما يكفي من المال للدفاع، وأنها أصبحت “أسيرة” لروسيا بسبب اعتمادها عليها للحصول على الطاقة. وخلال زيارته لندن في يوليو عام 2018، أثار ترامب غضب وسائل الإعلام والرأي العام عندما انتقد خطة رئيسة الحكومة البريطانية، تيريزا ماي، للبريكسيت.

 

وفيما يتعلق بالأزمة السورية وتعقيداتها، فإن السياسة الأمريكية قد ألحقت بها أضراراً بالغة أيضاً. كان الضامنون الثلاثة في سوريا، روسيا وتركيا وإيران، قد نجحوا في السابق في تهدئة الوضع في سوريا وإنشاء أربع مناطق لخفض التصعيد: إدلب والرستن وتلبيسة في شمال حمص والغوطة الشرقية في شمال دمشق ودرعا والقنيطرة.

 

وفي الوقت الحاضر ما تزال محافظة إدلب والمناطق المحيطة بها الممتدة من حلب إلى حماه واللاذقية، تقع ضمن منطقة وقف التصعيد. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الولايات المتحدة كانت ضامنة للمعارضة السورية في درعا، جنوب سوريا عندما وقعت اتفاق وقف إطلاق النار مع روسيا والأردن في عمان في عام 2017. وبعد ذلك لم تلق الولايات المتحدة بالاً لللمواطنين الذين يعيشون في جنوب سوريا وتركتها تسقط في يد روسيا وإيران والنظام السوري.

 

* عملية الانسحاب من سوريا

 

بعد قرار ترامب سحب القوات الأمريكية من سوريا، شهدنا في وسائل الإعلام ومن بعض المسؤولين الأمريكيين، تعليقات شائنة توحي بوجود دعم لمشاريع تهدد وحدة أراضي سوريا وتشجع على إنشاء كيان على الأرض العربية في المنطقة من منبج إلى الشرق من الفرات. وكانت منظمة العفو الدولية قد سبق لها أن تناولت في تقاريرها جرائم الحرب التي نفذتها وحدات حماية الشعب، الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني الإرهابي السوري، والمدعومة من الولايات المتحدة، بحق السكان الذين يعيشون شرق نهر الفرات.

 

ومن الواضح بمكان أن تصريح وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون حول قرار ترامب تعد تحريفاً للحقائق؛ حيث إنهما لا يفرقان بين الأكراد كجماعة أقلية تعيش في سوريا (لا يشكلون أكثر من 6٪ من مجموع السكان) والتنظيمات غير المشروعة التي تنفذ مشروعاً انفصالياً. هذه المنظمات، وبالتحديد وحدات حماية الشعب، لم تلحق الأذى بالعرب الذين يعيشون في شمال سوريا فحسب، بل شردت الأكراد أنفسهم من مدينة عين العرب، مما أجبرهم على الفرار إلى تركيا بعيداً عن الاضطهاد. اتخذت الولايات المتحدة موقفاً سلبياً لا مبالياً تماماً فيما يتعلق بطرد العرب بالقوة من مناطقهم شرق الفرات، ولم تتخذ إجراءً واحداً لوقف التغيير الديموغرافي المخطط سلفا الذي نفذته الجماعات الإرهابية التي تدعمها هناك.

 

ويبقى السؤال الرئيسي الذي نطرحه نتيجة  السياسات الأمريكية المتقلبة الأخيرة: هل تتبنى الولايات المتحدة سياسات مزدوجة في سوريا؟ وهل تطبق أيضاً هذه المعايير المتناقضة على القضايا والأزمات السياسية العالمية الأخرى، مثل العلاقة مع حلف الناتو والشرق الأوسط وكوريا الشمالية؟

 

ديلي صباح – ترجمة وتحرير ترك برس

إخوان سورية