هشام منور

 

مع اقتراب الأزمات الشرق أوسطية من محطاتها الأخيرة في العديد من البلدان، لا سيما سوريا، يبدو المسعى الروسي لفتح ملف اللاجئين والنازحين وبحث مستقبلهم «عزفاً» مميزاً على «وتر حساس» لبحث مستقبل القوة البشرية، التي تسعى الدول المتحضرة لاستغلالها في الأزمات الدولية، بعد أن تخلت عنها حكوماتها المحلية بحجج وذرائع مكافحة الإرهاب تارة، والحرب الكونية على أنظمة الحكم والمؤامرات التي تحاك ضدها تارة أخرى.

 

ما من شك في أن أوروبا استغلت وبنجاح كبير «فائض» القوة البشرية التي تتمتع بها بلداننا أثناء الأزمات التي تعاني منها منطقتنا، لكن الطرح الروسي في ملف إعادة اللاجئين، يأخذ في الاعتبار «تقاسم» الكعكة البشرية» لسوريا، بعد أن شارف اقتسام النفوذ والمصالح السياسي على استكمال أجندته المرسومة.

 

يشكّل السوريون ما يقرب من ثلث جميع اللاجئين في العالم، وتستضيف تركيا 63.4% منهم، أي نحو3.5 مليون شخص، بحسب الإحصاءات الرسمية للحكومة التركية. ويمثّل هذا العدد، زيادةً بنسبة 4.2% في عدد سكان تركيا لعام 2017 البالغ 81 مليون نسمة. لذا تتطلّب هذه الإضافة الكبيرة والمفاجئة الالتفات إلى السر الكامن وراء مسعى روسيا للتقارب مع تركيا تحديداً، دون غيرها من الدول، ولاسيما العربية، فالعامل السياسي والجغرافي لا يمكن إنكاره في الصدد، لكن «الخزان البشري» الذي استقبلته تركيا جعلها محور الاهتمام الروسي لبحث مستقبل سوريا، فضلاً عن اعتبارات سياسية واستراتيجية أخرى. يُعدّ تدفق اللاجئين السوريين بين عامي 2011 و2017 التحوّل الديموغرافي الأهم في تركيا منذ «التبادل السكاني» مع اليونان بين عامي 1923 و1924. فقد فتحت الحكومة التركية أبوابها أمام الناس للهروب من وحشية نظام الأسد في أبريل/نيسان 2011، ما أسفر عن فرار مليون شخص عبر الحدود بحلول سبتمبر/أيلول 2014. وبعد مرور عام، تضاعف العدد إلى مليوني شخص، ليبلغ ثلاثة ملايين في عام 2017. ووفقاً للأمم المتحدة، فإنّ 1.926.987 من هؤلاء السوريين هم من الذكور و1.627.085 من الإناث، وهناك أكثر من مليون لاجئ دون سن العاشرة.

أصبحت الغالبية الساحقة من اللاجئين (أي 3554072 فرداً) مختلطةً مع السكان الأتراك، في حين يتم إيواء 212816 لاجئ في المخيمات. ويتركز نحو 2.8 مليون منهم في اثنتي عشرة ولاية من أصل واحد وثمانين، في مقدمتها إسطنبول وشانلي اورفة وعنتاب وأضنة، وبورصة، وهاتاي، وإزمير، وكهرمان مرعش، وكيليس، وقونية، وماردين، ومرسين.

 

أبريل 2013، وافقت تركيا على «قانون الأجانب والحماية الدولية» الشامل والمستوحى من «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين»، الذي أعاد التزام البلاد بتزويد اللاجئين بالاحتياجات الإنسانية الأساسية، وقام بإنشاء هيئة حكومية جديدة لإجراءات اللجوء، وهي «المديرية العامة لإدارة الهجرة».

 

ومع ذلك، لم يُشرع في عملية تسجيل العدد المتزايد باطراد من السوريين إلاّ بحلول عام 2014. وفي الوقت نفسه، اعتمدت الحكومة قانوناً جديداً للجنسية التركية في مايو/أيار 2009 يسمح للاجئين بتقديم طلب للحصول على الجنسية إذا كانوا قد عاشوا في البلاد لمدة «خمس سنوات بلا انقطاع». العديد من اللاجئين، الذين تقدموا بطلبات للحصول على هذه الوثائق لدى وصولهم، قد استوفوا شرط السنوات الخمس وأصبحوا مؤهلين الآن لأن يصبحوا مواطنين أتراكاً. فمنذ عام 2011، حصل 55583 سوريا على الجنسية بشكل رسمي، وقبيل الانتخابات الرئاسية الأخيرة 2018، صرح المسؤولون الاتراك بأن عدد من تم تجنيسهم يبلغ نحو 100 ألف شخص، من بينهم نحو 25000 شخص تحت سن الثامنة عشرة.

 

سياسة الحكومة التركية التي اعتمدت مبدأ التدرج في استقبال اللاجئين السوريين حتى ناهز عددهم الأربعة ملايين شخص (بشكل غير رسمي)، ثم الانتظار 5 سنوات للبدء في مشروع كبير ومتدرج أيضاً على شكل «كرة الثلج» لتجنيسهم، يثبت حنكتها في التعامل مع هذا الملف نظراً لحساسيته، ورغبة في عدم افتعال أزمات داخلية وإثارة الشارع التركي، الذي ينظر إلى الاحتجاجات في أوروبا ضد وجود اللاجئين وقبولهم في المجتمعات الأوروبية على أنه خطر داهم. ورغم البيانات التركية الرسمية عن عودة ما يزيد عن عشرات الآلاف إلى سوريا بعد تنفيذ تركيا عمليات «درع الفرات» و»غصن الزيتون»، فإن هذا الرقم مرشح للارتفاع مع إحكام تركيا سيطرتها على كامل محافظة إدلب وأجزاء من محافظات حلب وحماة واللاذقية، ما يعني أن المزيد من اللاجئين السوريين سوف يتمكنون من العودة إلى منازلهم قريباً، ولكن تحت إشراف وإدارة تركية، وبناء على المعطيات المتقدمة، التي لاحظت ازدياد كلا العاملين (تزايد تجنيس السوريين وتزايد عودتهم إلى سوريا) فإن من المرجح أن يستمر المنحى بشكل تصاعدي، وربما أسرع مما كان الأمر عليه في ما سبق، نظراً لاقتراب مفاوضات الحل النهائي الخاص بسوريا من نهايتها، وحاجة تركيا لورقة تقوي بها موقفها وموقف المعارضة السورية في مواجهة الأطماع الروسية بالاستحواذ على كامل سوريا، وإعادة البلد إلى حظيرة نظام الأسد.

 

الخطوة المقبلة للحكومة التركية سوف تلحظ تمكين السوريين من العودة إلى مناطقهم التي هجروا منها في الشمال السوري الخاضع لإدارتهم، وفي الوقت عينه، تقوية موقف المعارضة السورية ومعها الموقف التركي في مفاوضات الحل النهائي لسوريا، وذلك يقتضي بالضرورة أن تكون تركيا ليست مجرد «منافح» عن السوريين في مواجهة «تغول» روسيا والأسد، بل يقتضي أن تمتلك وجوداً شرعياً وقانونياً يستند إلى حمايتها من سيكونون «مواطنيها» في المستقبل القريب!

 

كاتب وباحث فلسطيني

 

القدس العربي