د. أحمد موفق زيدان

 

على مدى ثماني سنوات عجاف من عمر الثورة السورية، يحاول أعداؤها وخصومها تحريفها عن مسارها، وتفريغها من محتواها الذي ضم مليون شهيد وأضعافهم من الجرحى والمعاقين والمشردين والمعتقلين، يحاولون حرفها عن مسارها وكأنها مشكلة بين معارضة وحكومة معترف بها، تقيم وزناً لشعبها الذي قتلته وشرّدته ودمّرت مساكنه، في مشاهد لم تحصل في تاريخ العلاقات البشرية بين حكومة وشعب، فتارة يتم حرف البوصلة بذريعة مؤتمرات ترعاها الأمم المتحدة، التي اعترف بعض مسؤوليها اليوم بأن الأسد أكثر من أعاق وعرقل عمل المنظمة في إيجاد حل لكارثة العصر، وربما سيعترف آخرون بعد تدمير ما تبقى من سوريا، ليدينوا أنفسهم على هذا الصمت قبل أن يدينوا الطاغية وسدنته.

 

سعت العصابة الطائفية وسدنتها إلى طرح مشاكل آنية تكتيكية من أجل حرف المسار، فتارة باسم عصابة «داعش» حيث تم تدمير المنطقة الشرقية فوق رؤوس ساكنيها بذريعة محاربتها، في حين نرى أن الثوار في مناطق إدلب وحلب تمكنوا من تصفية هذه العصابة بدون أية خسائر وسط المدنيين، يحصل هذا بينما المدنيون في دير الزور والبوكمال لا يزالون يدفعون فاتورة رهيبة بذريعة محاربة «داعش»، والأخطر من هذا أن يتم إشغال تركيا بعصابات الـ «بي. كي. كي» العميلة للعصابة الطائفية وسدنتها، ما دام معظم قيادات هذه العصابة طائفية بامتياز، وبالتالي لها ثأر مضاعف مع تركيا -ثأر طائفي وآخر عرقي- كما تحاول تصويره وإبرازه.

 

على الصعيد الداخلي، يتواصل سوء التفاهم أو عدم التفاهم بين الفصائل الثورية، لتنشغل هذه الفصائل ببعضها، وتنشغل معه بتحميل بعضها مسؤولية الإخفاقات الأمنية وغيرها، مما يدفع ثمنه المواطن العادي وحاضنة الثورة، في حين نرى تماماً أن الوضع الاقتصادي والمعيشي وحتى الأمني في مناطق الثورة، إن كان بإدلب أو غيرها أفضل بكثير عما هو عليه في مناطق العصابة الطائفية، التي يكثر فيها اليوم انتشار المخدرات وحبوب التخدير بين الأطفال، فضلاً عن غلاء رهيب في أسعار السلع وغياب بعضها، مما شكل حالة تذمر كبيرة وسط المدنيين في تلك المناطق، في حين لا نجد هذا الغلاء في مناطق الثورة.

 

تعظيم أخطاء الثورة والثوار في المحرر من قبل بعض الجهات، هو محاولة لحرف الثورة عن مسارها، والنيل من ثوار كانوا دائماً ولا يزالون شوكة في حلوق الطائفيين وسدنتهم، لن يفيد إلا أعداء الثورة، كل هذا ما هو إلا انجرار واضح في مسار أعداء الثورة وخصومها، وما جرى في إدلب أخيراً من الإعلان عن حكومة جديدة للإنقاذ ينبغي أن يُتعامل معه بشكل واقعي وعملي وجدي، فإدلب قبل حكومة الإنقاذ ليست كإدلب بعدها، هذا يعرفه كل من في قلبه ذرة عدل وإنصاف، ولكن الواقع ليس هو المأمول والمطلوب إذ لا بد من تحسينه، عبر توسعة الحكومة الحالية وضم فصائل ثورية حقيقية ونخب شاركت وتشارك بالثورة من أجل الأفضل وتقديم صورة حقيقية وجميلة وواقعية للثورة السورية، فحكومة الإنقاذ اليوم في إدلب عبارة عن نخب حقيقية للثورة، وكلهم ممن يحملون شهادات عليا، لم يتخرجوا من كهوف «طورا بورا» ولا غيرها، وبالتالي العزف الدائم من قبل البعض على النيل منهم والتشكيك بهم لن يخدم إلا الساعين إلى حرف بوصلة الثورة، وصدق شاعرنا المتنبي القائل:

 

أقلّوا عليهم لا أباً لأبيكمو من اللوم

أو سُدّوا المكان الذي سَدّوا.