الإخوان المسلمون في سورية

ثمن شرعنة نظام الأسد.. الالتزام بأمن “إسرائيل”

حسن أبو هنية

 

تقوم المناظرة الدولية التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية حول ثمن شرعنة نظام الأسد إلى استراتيجيتها، وتصوراتها للأمن القومي ومنظوراتها للشرق الأوسط ما بعد الحرب الباردة، والتي تستند إلى ركيزتين رئيسيتين لحفظ مصالحها ونفوذها، وهما: محاربة “الإرهاب” وضمان أمن واستقرار “إسرائيل”، وكلاهما يستلزم دعم الأنظمة الاستبدادية في المنطقة، ويندرج في إطار التعريفات الأمريكية للإرهاب المنظمات الجهادية السنيّة الراديكالية كتنظيمي “الدولة الإسلامية” والقاعدة، وإيران ومليشياتها الشيعية المتطرفة. وتتلخص الاستراتيجية الأمريكية في سوريا بالحفاظ على وجود أمريكي في شرقي سوريا إلى أجل غير مسمى لمواجهة النفوذ الإيراني، ومنعها من إقامة ممرها البري الذي يربط بين إيران ولبنان، ومنع عودة ظهور تنظيمات سنيّة جهادية راديكالية أمثال “الدولة الإسلامية” والقاعدة، ثم الوصول إلى تسوية سياسية مع نظام الأسد بعد ضمانه حرب “الإرهاب” وسلام “إسرائيل”.

 

إن ثمن إعادة تأهيل وشرعنة نظام الأسد بالنسبة للولايات المتحدة لا يمكن أن تحصل دون التزام واضح من طرف نظام الأسد بالانخراط في حرب “الإرهاب” وضمان أمن “إسرائيل”، وهو ما ظهر جلياً من خلال رؤية “المجموعة المصغرة” التي تقودها أمريكا، وتضم إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية، كلا من بريطانيا وفرنسا وألمانيا والسعودية والأردن ومصر. وقد سلمت المجموعة المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، ستافان دي ميستورا مؤخراً (في 14 أيلول/ سبتمبر 2018) وثيقتها التي تتضمن رؤيتها وتصوراتها للحل في سوريا. وكانت “المجموعة المصغرة” قد تشكلت عام 2015 باعتبارها جزءا من “التحالف الدولي” ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، وكانت المجموعة قد ناقشت مسألة الانتقال السياسي في سوريا عقب “مؤتمر سوتشي”، في كانون الثاني/ يناير الماضي، وأصدرت حينها ورقة من ثمانية بنود وضوابط، بشأن مضمون الدستور الجديد والإصلاح الدستوري.

 

يبدو أن وثيقة إعلان مبادئ “المجموعة المصغرة” بخصوص سوريا كتبت بأيد “إسرائيلية”، رغم أن الفوارق بين أمريكا و”إسرائيل” توشك على التلاشي في زمن ترامب، فما هو مطروح أمريكياً حول المسألة السورية يتناغم ويتماهى مع بنود “صفقة القرن” بخصوص القضية الفلسطينية. وبعيداً عن الرطانات البلاغية المتعلقة بمبادئ الحل واللجنة الدستورية والإصلاح الدستوري والانتخابات، وموضوعة الحكومة المستقبلية والعملية السياسية والانتخابات الدستورية، بالإضافة إلى آلية سير الانتخابات، ترتكز وثيقة إعلان المبادئ إلى حرب الإرهاب وإبعاد إيران مع بقاء الاستبداد، وهي تفصيلات جوهرية لعقد “صفقة القرن” التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطنية وإدماج المستعمرة الإسرائيلية في نسيج العالم العربي، عبر مدخل أولوية الحرب على المنظمات “الإرهابية” والدول الراعية لـ”الإرهاب” التي ضاقت واقتصرت على “إيران”.

 

بعيداً عن الرطانات البلهاء لوثيقة إعلان مبادئ “المجموعة المصغرة”، باعتبارها مجموعة عامة من أهداف السياسات، وكشروط ضرورية لعلاقات طبيعية مع الحكومة السورية، التي تنجم عن العملية السياسية وفقاً لقرار مجلس الأمن 2254، فإن مبادئ أعضاء المجموعة المصغرة لحل النزاع السوري تقوم على جملة من الشروط الصريحة كأساس لشرعنة نظام الأسد تستند إلى تلبية المتطلبات “الإسرائيلية”. فبصورة لا لبس فيها تنص الوثيقة على أن أعضاء “المجموعة المصغرة”، يسعون إلى خلق حكومة سوريا تكون: 1- ليست راعية للإرهابيين، ولا تؤمن بيئة آمنة لهم، 2- خالية من أسلحة الدمار الشامل، وتنهي على نحو موثوق برامجها لأسلحة الدمار الشامل، 3- تقطع علاقاتها مع النظام الإيراني ووكلائه العسكريين، 4- لا تهدد جيرانها (اقرأ “إسرائيل”).

 

لا تخرج بقية المبادئ عن كونها آليات ووسائل تضمن تحقيق الأهداف الأساسية السابقة، ومن ضمنها منح صلاحيات أوسع لرئيس حكومة الأسد المقبل، بذريعة تحقيق توازن أكبر في السلطة، وضمان استقلال المؤسسات الحكومية المركزية والمناطقية. فبحسب البنود المطروحة، يجب أن يترأس الحكومة رئيس وزراء يمتاز بصلاحيات أكبر، مع فصل واضح للسلطات، وألا يخضع تعيين رئيس الحكومة ووزرائها لموافقة الرئيس، وأن تخلق الحكومة شروطا لعودة اللاجئين طوعاً بمشاركة الأمم المتحدة، وتلاحق وتعاقب مجرمي الحرب ومرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، مشددة على أنه لن تكون هناك مساعدة دولية في إعادة الإعمار في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحكومة السورية، ما دامت العملية السياسية ذات المصداقية غائبة. وشددت الوثيقة على أن لجنة دستورية تحت رعاية وضبط الأمم المتحدة، هي الآلية الملائمة لمناقشة الإصلاح الدستوري والانتخابات، والوصول إلى حلٍّ سياسي، وينبغي على الأمم المتحدة أن تشكل اللجنة الدستورية بأسرع وقت ممكن. وتنص المبادئ على تنفيذ إشراف مدني على القطاع الأمني بعد إصلاحه، مع صلاحيات محددة بوضوح، وضرورة تحويل السلطات وجعلها غير مركزية، بما في ذلك أن تكون على أساس مناطقي.

 

لا جدال أن مبادئ “المجموعة المصغرة” قابلة للتفاوض مع روسيا، ولذلك أبدى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف استعداد موسكو للبحث عن سبل للتفاهم والتعاون بين صيغة الحل التي طرحت في أستانة، وصيغة “الدول المصغرة” حول مستقبل سوريا. لكن ثمة واقعاً لا لبس فيه يتجلّى في أنّ الروس، وبسبب تقاعس الولايات المتحدة، أصبحوا الحكم الرئيسي في سوريا. وبحسب دينيس روس في صحيفة “وول ستريت جورنال”، ففي حال كانت الولايات المتحدة تريد منع إيران من تعزيز ممرّ برّي من سوريا إلى لبنان والبحر المتوسّط، فعليها أن تعمل من خلال الروس. وفي حال كانت الولايات المتحدة تريد أن تخفّف من مسار التصادم بين “إسرائيل” وإيران، مع أمل إيران بأن تهدّد “إسرائيل” عبر سوريا كما تفعل من خلال “حزب الله” في لبنان، فهي تحتاج إلى تعاون روسي، ولكنّ فلاديمير بوتين لا يفعل شيئاً بدون مقابل. ويبقى السؤال عما إذا كانت إدارة ترامب مستعدة لممارسة الضغط المطلوب. إذ يبدو أنّ الروس يتأرجحون في القول إنّه من غير الواقعي توقّع مغادرة الإيرانيين والمليشيات المتحالفة معهم، والسعي لمعرفة ما يمكن الحصول عليه نتيجة التوسّط في اتفاق مماثل.

 

يبدو أن شرعنة نظام الأسد تتطلب أثماناً باهظة، لكنها قابلة للتفاوض، فبقاء الأسد بسلطات شكلية هي مسألة واقعة بالفعل، فسوريا أصبحت بفضل سياسات الأسد وعصبته رهينة في يد دول إقليمية ودولية، فقد تمددت إيران عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياوأوشكت سوريا أن تكون تابعة بالكامل لها، وهو وضع لم يحدث سابقاً حتى إبان حكم والده حافظ الأسد الذي وضع أسس العلاقاتمع النظام الإيراني، لكن ليست إيران وحدها من تتدخل بسوريا، فهناك كذلك روسيا والولايات المتحدة وتركيا وحتى “إسرائيل” التي تحلّق طائراتها العسكرية في سماء البلد من حين لآخر، كل هذا جعل ضحيفة “دير شبيغل” تعلّق بالقول: “يظهر الأسد أحيانا كمجرد دمية لمن هبّ ودب!”.

 

توضح خارطة النفوذ العسكري في سوريا لشهر آب/ أغسطس 2018 أن سوريا الأسد تقع في قيضة عدد من القوى. فوفقاً للخارطة التي أصدرها مركز جسور للدراسات فإنّ نسبة سيطرة النظام السوري ارتفعت من 58.6 في المئة في شهر تموز/ يوليو الفائت إلى 59.8 في المئة، وهي أعلى نسبة سيطرة له حتى الآن منذ عام 2012، بفضل روسيا وإيران. أما تنظيم “الدولة الإسلامية”، فقد خسر المزيد من مناطق نفوذه وتقلصت مساحة سيطرته إلى 2.4 في المئة مقارنة مع 3.8 في المئة في الشهر الماضي. أما فصائل المعارضة المسلحة المسندة من تركيا، فقد حافظت على مساحة سيطرتها التي سجلتها الشهر الماضي والبالغة 9.3 في المئة، بينما ارتفعت مساحة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية المدعومة أمريكيا إلى 27.5 في المئة، مقارنة مع تلك التي تم تسجيلها في ذلك الشهر البالغة 26.1 في المئة، وفعلياً – حسب دينيس روس – تسيطر الولايات المتحدة وشركاؤها على نحو 40 في المئة من الأراضي السورية.

 

لا تعتبر شرعنة بقاء نظام الأسد حادثة مستجدة، فعندما توصلت “مجموعة العمل” حول سوريا في 30 حزيران/ يونيو 2012 إلى اتفاق جنيف، والذي يتألف من ست نقاط لحل الأزمة السوريّة حافظت إدارة أوباما على غموضها الملتبس حول مستقبل الأسد في المرحلة الانتقالية وتركته نهباً للتفسيرات، حيث أصرت روسيا حينها على أنّ الاتفاق لا يشير إلى رحيل الأسد كنقطة انطلاق للتنفيذ، وقد كان الرئيس أوباما أكثر وضوحاً في خطاب “حال الاتحاد” في 12 شباط/ فبراير 2013، إذ لم يتطرق إلى مسألة إزاحة الأسد، واكتفى بالقول إنّه “سيواصل ضغوطه على النظام السوري وسيدعم قادة المعارضة”.

 

ولم يكن موقف إدارة ترامب مفاجئاً حول مسألة رحيل الأسد، فقد كان استمراراً لسياسة أوباما بعد تخليصها من الغموض والالتباس. فعندما صرحت مندوبة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة “نيكي هيلي” في 30 آذار/ مارس 2017؛ بقولها إن “سياسة بلادها في سوريا لم تعد تركز على إزاحة الرئيس بشار الأسد”، كانت تزيح الستار عن سحب الغموض الأوبامي، لكنها أكدت على جوهر السياسات الأمريكية بعبارات مشابهة، حين أضافت أن “أولويتنا هي كيفية إنجاز الأمور ومن نحتاج للعمل معه لإحداث تغيير حقيقي للناس في سوريا، ولا يمكننا بالضرورة التركيز على الأسد بالطريقة التي فعلتها الإدارة السابقة”. وكان وزير الخارجية الأمريكي السابق ريكس تيلرسون؛ قد قال بدوره إن مصير الأسد سوف يحدده الشعب السوري على المدى الطويل. وفي سبيل سياسة الوضوح والفجاجة، قال المتحدث باسم البيت الأبيض شون سبايسر إن هناك حقيقة سياسية واقعية علينا تقبلها بخصوص حكم رئيس النظام السوري بشار الأسد، وشدد على أن بلاده بحاجة الآن إلى التركيز على هزيمة تنظيم الدولة، و”هناك أولويات راسخة في سوريا والعراق. وقد أوضحنا أن مكافحة الإرهاب، وخصوصاً هزيمة التنظيم هي على رأس أولوياتنا”.

 

تعمل الولايات المتحدة على جعل بقاء نظام الأسد رهنا بالتزامه بحرب الإرهاب وحفظ أمن “إسرائيل”، إذ من المرجح أن يندلع نزاع كبير بين الولايات المتحدة وإيران في السنوات الخمس المقبلة، حسب “معهد دراسات الحرب” الأمريكي، حيث طورت إيران تحالفا فعالاً ونشطاً وقابلاً للتنفيذ بيد وكلائها، وذلك بمساعدة روسيا، الأمر الذي سيؤدي إلى إبطال مخططات الولايات المتحدة. كما تسعى إيران أيضاً إلى رفع قدراتها التقليدية، وسوف تقاوم الضغوط الأمريكية في القضايا غير النووية، وستقاوم جهود السيطرة على قوات الحشد الشعبي في العراق، وتزيد نفوذها في الخليج العربي والبحر الأحمر وفي أماكن أخرى؛ مستخدمة قواتها الخاصة أو المليشيات الموالية لها.

 

خلاصة القول أن المبادئ الأساسية لأعضاء “المجموعة المصغرة” بقيادة أمريكا لحل النزاع السوري تقوم على تلبية المتطلبات الأمنية “الإسرائيلية”؛ كشرط لا غنى عنه لشرعنة بقاء نظام الأسد، عبر خلق حكومة سوريا تكون مستعدة للانخراط في حرب الإرهاب حسب التعريفات الأمريكية، وجعل سوريا خالية من أسلحة الدمار الشامل والالتزام بالتخلي عن أي برامج مستقبلية لأسلحة الدمار الشامل، وأن تقطع علاقاتها مع النظام الإيراني ووكلائه العسكريين، وأن لا تهدد “إسرائيل”. ولا شك أن تلك المبادئ تقع في سياق “صفقة القرن” التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطنية وإدماج المستعمرة “الإسرائيلية” في نسيج المنطقة، عبر مدخل أولوية الحرب على المنظمات “الإرهابية” والدول الراعية لـ”الإرهاب” التي ضاقت واقتصرت على “إيران”. ويبدو أن دول التحالف الدولي الذي تمثله المجموعة المصغرة بقيادة الولايات المتحدة منخرطة في صفقة القرن بطرائق عدة، بينما روسيا تنتظر ثمنا لصفقتها في سوريا.

 

“عربي21”

إخوان سورية