الإخوان المسلمون في سورية

مؤشرات ما بعد الانسحاب الأميركي تبدأ من منبج

عبدالوهاب بدرخان

 

منبج عقدة طرق تصل بين محافظات عدة في سوريا، منذ 2011 انتقلت تباعاً من سيطرة قوات النظام إلى فصائل المعارضة المسلحة، ومن ثمّ إلى «تنظيم الدولة» الذي طُرد منها عام 2016، فحلّت مكانه «قوات سوريا الديمقراطية» ذات الغالبية الكردية مع أقلية عربية، وفي مارس 2017، دخلتها كتيبة دبابات ترفع العلم الأميركي، لكي يفهم المتنافسون على منبج، أنها أصبحت تحت حماية «التحالف الدولي»، وبذلك تلتزم حتى روسيا الأمر الواقع، وتُلزم القوى الأخرى الحليفة بما فيها إيران، كما تلتزم تركيا التي كانت أشرفت منذ صيف 2016 على تقدم قوات «درع الفرات» -الجيش السوري الحر سابقاً- نحو جرابلس وصولاً إلى الباب القريبة من منبج.

 

هذا الوضع مكّن سكان المدينة من العيش في أمان نسبي حذر، لكن الممارسات السلطوية المتوقعة للأكراد -ككل قوة مهيمنة- أشاعت توتراً كامناً، تحديداً لأن غالبية السكان من العرب السنة، صحيح أن هناك مجلساً مدنياً محلياً تسلم إدارة منبج، وحاول تنظيم شؤونها، إلا أن الاحتكاكات مع الأكراد ظلّت تُذكّر بأن الوضع غير طبيعي ولا مستقر، ثمة مختطفون لم يُعرف مصيرهم ومعتقلون تعرضوا للتعذيب وموارد تُصادَر ويُستولى عليها، وأيضاً حساسيات بين المقاتلين، إذ يشكو العرب منهم بأنهم يُعاملون كمواطنين درجة ثانية من جانب «رفاقهم» المفترضين من الأكراد، ما أزكى تلك الحساسيات أن الأطراف المحيطة بمنبج -النظام وإيران وتركيا- كانت لها أذرع في الداخل.

 

لذلك، بدا قرار الانسحاب الأميركي كما لو أنه وضع المدينة في شبه مزاد علني، تستطيع تركيا المطالبة بالسيطرة عليها بموجب تنسيق معلن منذ مايو 2018 مع الأميركيين ودوريات مشتركة في محيط منبج، كذلك بموجب تقارب مع روسيا يجعلها أكثر تفهماً للموقف التركي، ومن جهة أخرى هناك التزام روسي بإعادة «كل المناطق» إلى النظام، ما شجّع الأخير على حشد قوات ودفعها باتجاه منبج قبل أن يضطر لإيقافها، لكن يُقال إن هناك تفاهماً روسياً – أميركياً غير معلن، بعدم تسليم منبج إلى النظام أو الأتراك، أقلّه في مرحلة أولى، فلكلٍّ من الخيارين مخاطره، ولذلك يميل الروس والأميركيون إلى طمأنة تركيا بشأن أمنها القومي بصيغ أخرى، منها «المنطقة الآمنة» أو «العازلة»، وهذه بدورها مثيرة للجدل والخلافات، لأن السؤال الأهم المطروح هو لمن ستوظّف تركيا نفوذها في هذه الحال، لروسيا الباقية أم للولايات المتحدة المنسحبة؟

 

جدل يبدو أن «تنظيم الدولة» حاول المساهمة في حسمه، عبر تفجير انتحاري في منبج قُتل فيه جنود أميركيون، ربما أراد التنظيم التذكير بأنه موجود ولم يُقضَ عليه، كما يقول دونالد ترمب لتبرير الانسحاب، وربما نفّذ التنظيم العملية لمصلحة طرف آخر يريد استعجال الانسحاب الأميركي، أو لمصلحة طرف يريد تأخير الانسحاب أو إلغاءه، كل الاحتمالات واردة، وبمعزل عمّن يستفيد أكثر من التفجير، فقد فهم الجميع أنه رسالة سياسية دموية، وأن ترجمتها عملياً تعود أولاً وأخيراً إلى الأميركيين، إذ تنطوي الرسالة على مؤشر إلى أن «تنظيم الدولة» لا تزال له خلايا نائمة بعيدة عن المقر الحالي لقيادته ويستطيع تحريكها، بل تنطوي أيضاً على شبه تأكيد بأن للتنظيم قنوات اتصال وعملاً مع أطراف أخرى فاعلة على الساحة السورية، أما من سيتسلم منبج في نهاية المطاف، فهذا سيخضع لتفاهم أميركي – روسي سيحين أوانه قريباً.

 

العرب القطرية

إخوان سورية