بقلم: د. محمد بسام يوسف

 

سبعة وثلاثون سنةً مرّت، مظلمةً كظلمة قلوب المجرمين الحاقدين الذين ارتكبوها، وما تزال المجزرة.. الجريمة.. المأساة.. ماثلةً في حدقات العيون، ومآقي الثكالى، ومُقَلِ الآباء والأمهات، وذاكرة شعبٍ عربيٍ سوريٍّ مسلمٍ أصيل، صادرت إرادتَه وحرّيتَه حفنةٌ من اللصوص القتلة الطائفيين الخونة!..

 

لو كانت المبادئ النظيفة وروح العدالة تتحكّم بمن يهمّهم أمر شعبٍ عربيٍ مسلم، وبضمائر العُربان والطرشان والعميان.. والقُطعان.. فتدفعهم للوقوف موقفاً حُرّاً عزيزاً كريماً أصيلاً تجاه قَتَلة حماة وسفّاحيها في عام 1982م.. لما هدرت شلالات الدم السوريّ حتى اليوم، ولما تجرّأ المجرمون الطائفيون المستبدّون الساديّون.. على ارتكاب كل الذي اركتبوه من موبقاتٍ وانتهاكاتٍ، منذ اندلاع ثورة الحرية والكرامة.. بل لما تجرّأ الصهيونيّ شارون وزبانيته، على ارتكاب جرائم صبرا وشاتيلا، ولما وصل جيش الرعاديد الصهاينة إلى بيروت، ولما صارت الجمهورية السورية وراثية، ولما تجرّأ رعديد مختلّ مأفون كـ (بشار بن حافظ أسد) على أحرار سورية وحرائرها، ولما تجرّأ مجرمون فاشلون كـ (أولمرت وشارون ورابين ونتنياهو وموفاز..) على استباحة غزّة هاشم، بل لما وصل مأفونو المدّ الصفويّ المجوسيّ الإجراميّ إلى دمشق وبغداد وبيروت وصنعاء، ولما تطاول ليلُ الشام إلى هذا اليوم، لتخيّمَ حُلكتُهُ على العراق وفلسطين ولبنان.. والعرب.. كل العرب!..

 

*     *     *

 

كانت (حماة) تعيش حياتها كما تعيش كل المدن في هذا العالَم، قبل أن يُخَيِّمَ مشهدُ الطغاة والطغيان على ربوعها، الذي يمكن وصف تفاصله لمن نسي أو تناسى: [مجموعات من فيالق (الجيش الوطنيّ!)، لوطنٍ جَلَتْ عنه الجيوش الفرنسية المحتلّة منذ عشرات السنين، يتراهنون ببنادقهم الآلية، على (إسقاط) طفلٍ سوريٍ عمره أربع سنوات، يلعب في شرفة بيته بالطابق الرابع!.. أو: كتيبة من سرايا (الدفاع!)، تقتحم مركزاً للعجزة المكفوفين، فتقذفهم برشاشات النفط، حتى تتبلل ثيابهم ولحاهم به، ثم تُشعِل في أجسادهم النيران، لتحرقهم وهم أحياء، فيصرخون ويستغيثون، بينما يقف جنود (الصمود والتصدّي)! أو (الممانَعَة حالياً!)، وهم يضحكون عليهم، ويستهزئون، ويُدَخِّنون، إلى أن تصعدَ عشرات الأرواح إلى بارئها!.. أو: فصيلة من (حُماة الوطن!)، تُداهِم مشفىً لضحايا العدوان (الوطنيّ!)، فتقتل الجرحى والمرضى والأطباء والممرّضات وعمّال النظافة والموظّفين والزوّار، ثم تنقل جثثهم المقطّعة، بسيارات نقل النفايات، إلى مقابر جماعيةٍ مجهولة!.. أو: مجموعة من (حُرّاس الشام!)، تقذف بالنساء والرّضّع من فوق أسطحة المنازل!.. أو: دبابة (صامدة) تسحق بجنازيرها، جموعَ المعتقلين، المجمَّعين في زاوية أحد الشوارع، فتتناثر على الجنازير قطع الأرجل والرؤوس والأيدي المسحوقة!.. أو: قطعة عسكرية من جيش (تحرير الجولان!)، تُدَمِّر بقذائف مدفعيّتها وراجمات صواريخها، ثمانين مسجداً وأربع كنائس ونصف أحياء المدينة.. فوق رؤوس روّادها وساكنيها!.. أو: عبوة متفجِّرة زرعتها الوحدات العسكرية (الخاصة!)، في طريق أطفالٍ جائعين، فانفجرت بهم، ليتساقطوا مضمَّخين بالدم والدمع والخوف والجوع!..]. وهكذا، كانت حصيلة (البطولة الوطنية!) لمجرمي حافظ ورفعت، مئتي ألف شهيدٍ وجريحٍ ومفقودٍ ومُهجَّرٍ حمويّ.. من النساء والرجال والأطفال والعجائز والشيوخ!.. وما يزال القتلة المجرمون السفّاحون الخونة يأكلون ويشربون ويتنفّسون، ويملؤون الأرضَ جَوْراً وفساداً وفجورا، وما يزال الضمير البشريّ لدجّالي العالَم (الحرّ)، مُجَمَّداً في ثلاّجات التجاهل والتواطؤ والتآمر والمكر والصفقات المشبوهة وعدم المبالاة وبلادة الحسّ الإنسانيّ الأخلاقيّ!..

 

*     *     *

 

في حماة ومأساتها.. سقط الأسديون المجرمون الخونة.. وسقط معهم الطفيليون والوصوليون، من أرباع المثقّفين وتجّار المبادئ والدين، ومن سماسرة القومجيين ومُغفَّلي وفود الرقص على جراحنا، ومن أصحاب العمائم الزائفة وألسنة السوء الآمرة بمنكر الطغيان، ومن مدّاحي الطغاة وكَتَبَة البغي وعبيد الأرباب المزيّفين، الذين ما فتئوا يبيعون الوطنية والتنظير الفارغ في الصحف الصفراء وقنوات النفاق، فاقدين بوصلة الشرف والدين والمعيار الخُلُقيّ والإسلاميّ الحقيقيّ!..

 

لقد انتهك المجرمون الأسديون بحق حماة في شباط عام 1982م، كلَ ما يخطر على قلب بشرٍ من حقوق الإنسان.. فقتلوا، ودمّروا، وانتهكوا الأعراض، وعذَّبوا، وداهموا البيوت الآمنة، وسرقوا، ونهبوا، واعتدوا على المساجد والكنائس والمقدّسات، وهجّروا الأبرياء، وجوّعوا الأطفال، وأرهبوا النساء، وانتهكوا الكرامة الإنسانية، وسجنوا، وذبحوا على الهوية، وصادروا الأرزاق.. كل ذلك وغيره لم يحرّك ضمير تجّار (حقوق الإنسان) في القرن العشرين.. ولا في القرن الحادي والعشرين!..

 

*     *     *

 

لم يقتل الأعداء المجرمون السفّاحون: شارون وباراك ودايان وموفاز وبيغن ووايزمن وبيريز.. وأمثالهم من عُتاة المجرمين.. لم يقتلوا –مجتمعين- ما قتله (حافظ أسد) وزبانيته وعصابته، من أبناء حماة والشعب السوريّ واللبنانيّ والعراقيّ والفلسطينيّ.. ولم يُدمّروا ما دمَّرَه في حماة والمحافظات السورية، ولم يتمكّنوا من العبث بكرامة السوريين ووطنهم وحرّيتهم كما عبث وتعبث هذه العصابة الأسدية الغاشمة.. ولم يذق الأطفال والنساء والطاعنون في السنّ من أولئك الصهاينة ما ذاقوه من خونة عصابات العار الطائفيّة.. ولم يُعذَّب أبناء سورية كما عذّبهم (حافظ أسد)، وكما يعذّبهم (بشار أسد) في سجون النذالة الأسدية.. ولم يجرؤ شذّاذ الآفاق الصهاينة على الشعب السوريّ، إخفاءً وتهجيراً ونهباً وتدميراً وانتهاكاً للمقدّسات، كما تجرّأ حافظ أسد، وولده المعتوه بشار، وحلفاؤهما الطائفيون والروس والمجوس، بالنيابة عن صهاينة الجريمة والخسّة والانحطاط الإنسانيّ!..

 

منذ سبعةٍ وثلاثين عاماً، ما تزال المشاهد حيّةً في الذاكرة المتوارَثة عبر الأجيال، إذ ما يزال يُقتَرَف المزيد من القمع والاضطهاد والإجرام والقتل والتدمير والتخريب والاستهتار بحقوق الإنسان السوريّ، فكانت عقدة (حماة)، منعقدةً على الحبل نفسه الذي يصل إلى (صيدنايا)، مروراً بتدمر ودمشق وحلب وحمص وإدلب ودير الزور والساحل وجسر الشغور.. وأخواتها، ثم إلى كل مترٍ مربّعٍ من أرض سورية الطاهرة الثائرة اليوم!..

 

*     *     *

 

ستبقى مجزرة حماة، المرتَكَبة في الفترة الواقعة ما بين تاريخ (2/2 إلى 4/3/1982م).. وصمةَ عارٍ في جبين الإنسانية، ودليلَ اندحارٍ لكل المبادئ الإنسانية التي يتشدّق بها أرباب الحقد الصليبيّ والمجوسيّ واليهوديّ.. ودافعاً قوياً لشعبنا، يدفعه بقوةٍ عارمة، نحو استمرار ثورته المجيدة الحية، لانتزاع حقوقه من اللصوص القتلة المجرمين الأسديين، وممن لفَّ لفّهم، أو مَن يدعمهم أو يتحالف معهم أو يتواطأ بالصمت أو السكوت عن جرائمهم.. وستبقى المجزرة الكبرى في حماة 1982م.. تأكيداً ثابتاً، على أنّ الحقوقَ تُنتَزَع انتزاعاً، بكل الوسائل، وأبداً.. أبداً لا تُستَجدى.. ولا تُمنَح!..