د. سمير صالحة

 

هاقان فيدان الذي اختاره الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عام 2010 لتسلم منصب رئيس جهاز الاستخبارات التركية والشخصية المدنية التي جاءت من خارج الهيئة، نجح في استفزاز وازعاج الكثيرين داخل تركيا وخارجها بسبب أسلوبه ومواقفه والإنجازات الكبيرة التي حققها على رأس الجهاز.

 

حملة المطاردة والتنظيف التي أطلقها فيدان ضد عملاء وشبكات استخباراتية كثيرة وإنهاء العديد من العمليات التي كانت تنفذ في المدن التركية لاصطياد المتعاونين من مختلف الجنسيات، مستفيدين من المساحة السياحية والتجارية والتعليمية التي توفرها تركيا، كانت بين أسباب نجاحه في مهامه وإغضاب الكثير من أجهزة الاستخبارات الإقليمية والدولية.

 

بعد أشهر قليلة على اختياره لهذا المنصب شنت القيادات “الإسرائيلية” حملة واسعة ضده مطالبة بتغييره بذريعة انفتاحه على طهران واحتمال تزويدها بوثائق سرية حول التعاون الاستخباراتي التركي “الإسرائيلي” مما يهدد أمن الدولة العبرية.

 

في منتصف شهر شباط/ فبراير 2012 كانت وسائل الإعلام التركية والعالمية تتابع أنباء استدعاء المدعي العام لإحدى محاكم إسطنبول صاري قايا (الذي ثبت لاحقاً ارتباطه بجماعة الكيان الموازي المحسوبة على فتح الله غولن) رئيس جهاز المخابرات التركية هاقان فيدان للإدلاء بإفادته أمامه، بصفة مشتبه به في قضية التواصل مع قيادات سياسية كردية قيل إنها مقربة من “حزب العمال الكردستاني”، وهي خطوة سياسية كان قد قرر حزب العدالة والتنمية القيام بها في محاولة لفتح صفحة جديدة في الملف الكردي داخل تركيا ونكتشف اليوم أن “الكيان الموازي” حاول استغلالها أيضاً كورقة يلعبها ضد الحكومة.

 

فيدان كذلك لعب دوراً محورياً في السنوات الأخيرة في إدخال تعديلات جذرية على قانون الجهاز ومهامه وبنيته، لكن بين إنجازاته الأهم كان موضوع فسح الطريق أمام الجهاز للقيام بعمليات خارجية عند الضرورة اعتباراً من العام 2014 بصورة رسمية وبعدما كانت أنقرة تنفي عملياتها السرية في الخارج حتى ذلك التاريخ، في مواجهتها مع العديد من الجماعات الإرهابية والمتشددة والمرتبطة بأجهزة مخابرات إقليمية ودولية.

 

حاول في العام 2015 الاستقالة والدخول في العمل السياسي البرلماني تحت صفوف حزب العدالة والتنمية لكن الرئيس أردوغان اعترض على ذلك ورفض استقالته وأعاده خلال ساعات إلى موقعه على رأس الجهاز. “نواب كثر يستطيعون أن يفعلوا ما سيفعله تحت سقف البرلمان لكن نواباً كثراً أيضاً لا يستطيعون أن يقوموا بما يقوم به على رأس جهاز الاستخبارات” كما قال أقرب أعوان أردوغان القيادي في الحزب بولنت أرينش يومها.

 

قبل أيام نقل الإعلام الروسي عن مصدر أمني سوري نفيه “جملة وتفصيلاً صحة الرواية التركية عن عملية خاصة في مدينة اللاذقية تم خلالها إلقاء القبض على يوسف نازيك أحد أبرز المشاركين في التخطيط والتنفيذ لتفجير قضاء الريحانية بولاية هطاي جنوبي تركيا في العام 2013 أودت بحياة 53 شخصاً. وزعم المصدر الذي طلب عدم الكشف عن هويته إن “هذا الشخص ليس معروفاً لدى السلطات السورية نهائياً”. لماذا كان نازيك إذاً يعيش في سوريا ويحظى بكل هذه الحماية الأمنية لو كان مواطناً عادياً لم يقدم أية خدمات للنظام في سوريا؟ ولماذا لم يثق جهاز الاستخبارات التركية بالأمن الروسي ويطالبه بالتعاون والتنسيق معه من أجل استرداده طالما أن العلاقات الثنائية بين البلدين في أحسن أيامها وطالما أن الروس هم الذين يديرون شؤون اللاذقية في هذه الآونة؟

 

تمكن جهاز الاستخبارات التركي بعد عملية ناجحة قام بها على خط هطاي – اللاذقية – أنقرة من اعتقال نازيك، ونقله إلى داخل الأراضي التركية واستجوابه ثم تسليمه إلى القضاء. المصادر التركية تقول إن اعترافات المتهم خلال عملية الاستجواب تؤكد دوره في التخطيط والتنفيذ بأوامر المخابرات السورية. وأن المخابرات التركية راقبت نازيك لثمانية أشهر وإنه كان يسكن قرب مقر أمني للنظام السوري، ومحمياً من قبله بواسطة ثلاثة حراس سوريين أثناء اعتقاله بعد عملية معقدة متشابكة براً وبحراً وجواً.

 

كيف سيتقدم ملف العملية وما الذي ستؤدي إليه على ضوء اعترافات يوسف نازيك وكيف ستكون عملية المساءلة السياسية والقانونية على ضوء التحقيقات ونتائجها؟

 

الاعترافات والمعلومات التي سيقدمها نازيك هي المهمة الآن لتحديد مسار الملف بشقه السياسي والأمني والقضائي. الملف سيتقدم بأكثر من اتجاه حتماً، داخلي وطني لناحية اعتقال ومحاكمة مواطنين أتراك قاموا بعمليات إرهابية وفروا إلى حضن النظام السوري، وخارجي دولي يتعامل مع  مجموعة إرهابية تحتمي بنظام يقدم لها الدعم ويحركها لتنفيذ عمليات تفجير وقتل.

 

ساهمت العملية أولاً في تخفيف الضغوطات الداخلية والخارجية التي يتعرض لها حزب العدالة والتنمية باتجاه مطالبته بسياسة سورية جديدة تقوم على تصحيح العلاقات مع دمشق والمصالحة والتطبيع مجدداً مع رأس النظام بشار الأسد. من كان يريد إجلاس أردوغان أمام طاولة واحدة مع الأسد سيراجع موقفه بعد الآن. حتى المعارضة التركية نفسها تخلت عن مواقف من هذا النوع بعد هذه الحادثة.

 

والعملية الناجحة هذه وثقت ثانياً مسألة تورط عناصر تنظيم الكيان الموازي التابع لفتح الله غولن في عرقلة وتعطيل العديد من العمليات الاستخباراتية التركية أو الكشف عنها وبينها عملية تفجيرات الريحانية، بعدما أبلغ جهاز الاستخبارات المدعي العام التركي صاري قايا بها قبل وقوعها لكنه لم يحرك ساكناً ليظهر لاحقاً أنه أحد كوادر غولن وأنه تعمد في عدم الكشف عن العملية وتجاهلها.

 

والأهم من كل ذلك توجيه رسالة إلى النظام السوري مباشرة أن أنقرة ستستعد لمساءلة النظام وقياداته وكل من يثبت تورطه في هذا العمل على المستوى الوطني والدولي والأممي، عبر المطالبة بمحاكمة المسؤولين عن مقتل 53 مواطناً تركياً وسورياً في الريحانية تماماً كما يحدث اليوم في لاهاي مع محاكمة الكشف عن المتورطين في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.

 

تعودنا من أفلام الجاسوسية أن المخابرات الأميركية و”الإسرائيلية” والروسية هي التي تقوم بعمليات من هذا النوع. في الأعوام الخمس الأخيرة التحق جهاز المخابرات التركية بوحدات التجسس والأمن الخارجي التي تطارد المتهمين والمطلوبين والمهددين للأمن القومي التركي عبر الحدود. وتحرر جهاز “الميت” التركي أيضاً من عبىء ارتدادات عملية اعتقال عبد الله أوجلان قيادي “حزب العمال الكردستاني” عام 1999 حيث كان الجهاز يواجه انتقادات كثيرة في عملية إحضار أوجلان من ناميبيا والإعلان أن المخابرات الأميركية هي التي لعبت الدور الأساسي في إنجاز هذه العملية.

 

الاصطياد في مياه اللاذقية صعب للغاية فهي حصن النظام بعد العاصمة دمشق، وأعين الأجهزة الأمنية الروسية والإيرانية في المدينة لا ترمش لأهميتها الاستراتيجية. إدارة شؤون اللاذقية تحولت ومنذ 7 سنوات إلى شركة متعددة الجنسيات سورية روسية وإيرانية. لكن مجموعة يجيد عناصرها أكثر من 3 لغات على الأقل كما علمنا وتعرف المنطقة وطبيعتها الجغرافية والاجتماعية جيداً وتستطيع التأقلم مع المحيط والبيئة المتواجدة فيها هي التي استطاعت التخفي لأشهر طويلة في المدينة لتحديد مكان نازيك ورصد تحركاته والتمكن من اعتقاله ونقله معلباً إلى داخل تركيا.

 

عملية تكرس انتهاء عهد التنافس السلبي بين أجهزة الاستخبارات التركية المدنية والعسكرية والشرطة. وتعكس قدرات الجهاز وطاقاته والتحول الكبير الذي طرأ على بنيته وهيكليته وطريقة تعامله مع الملفات والقضايا. لكنها عملية تكشف النقاب مرة أخرى عن أن تركيا لم تعد الدولة التي تعتاش على فتات معلومات شركائها في أجهزة الاستخبارات الإقليمية والغربية. فهي التي تقرر بعد اليوم مكان وزمان الرد في الكثير من عواصم العالم ضد من يهدد أمنها أو يلجأ إلى دولة أخرى للاحتماء بها من كرسي العدالة.

 

ترك برس