الإخوان المسلمون في سورية

الأستاذ الدكتور حلمي القاعود الذي لم تُقعده الأيام!

الدكتور عامر البو سلامة
ما زال الدكتور حلمي القاعود واقفًا شامخًا، لم تلن له قناة، ولم تُقعده الأيام؛ تلك التي جرت عادتها أن تأكل من جهد الإنسان وطاقته وعظمه ولحمه ودمه وأعصابه ونفسيته، وأن تنال من همته، وقد تُظهر بعض علامات أثرها فيما يبدو من هذا الجسد الطيني، فتُدخل المرءَ في عالمٍ لا مفر منه: (﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾).
كلُّ هذا نعم، لكن الأعلام الكبار لا تنال هذه العوامل من إرادتهم، ولا تؤثر في استمرارهم في أداء ما ينبغي أن يُؤدَّى دون كسل أو تراجع، بل يبقون على ذات الطريق ونفس المنهج.
وهكذا هي طبيعة المعدن النفيس؛ يزداد أصالةً كلما مرَّ عليه الزمن، وقطعت رحلة السنين فيه كلَّ شيء إلا أن يترجل وهو حي؛ فهذا في قاموس الكبار ممنوع، بل مُحرَّم.
ويظل أمثال هؤلاء على ثغر الواجب؛ لا يُقيلون ولا يستقيلون، بل ولا يتقاعدون.
ذلك أن التقاعد يكون ـ حسب القوانين والدراسات ـ من أجل أن نُريح من قدَّم ما قدم من عناء الوظيفة أو مشقة العمل الروتيني الذي لم يعد يحتمله، أما أن يتقاعد الكبار عن ساحات الكفاح وميادين العمل، فهذا لا يصح ولا ينبغي أن يكون.
وهكذا يكون العمالقة؛ إذا ماتوا ماتوا كما تموت الأشجار واقفة، لا تنبطح، ولا تستسلم، ولا تيأس، ولا يصيبها الإحباط، ولا تُحاصرها عقدة «السِّنِّ المتقدم»، بل تبقى على الدرب رمزًا من رموز العطاء، وعنوانًا من عناوين الجهاد، ومنارةً من منارات الثبات، دون كلل أو ملل، رغم كل ما يحاصرها من هجوم ذكرنا منه ما ذكرنا وما لم نذكر.
نقول هذا لأننا نرى كثيرًا ممن يعانون فراغ الشيخوخة في حاجة إلى من يملأ لهم هذا الفراغ؛ ذلك لأنهم فارغون، أما الممتلئ فكرًا وعلمًا وطاقةً وحيويةً، فيحدوه دافع الإيمان إلى القيام بالواجب، فلا يهن ولا يستكين، وأمثلة ذلك كثيرة في القديم والحديث.
وهنا تبرز خاصية القُدوة في عالم تكامل الأجيال وتعاقبها؛ حيث يسلِّم كل جيل الراية لمن بعده، ويُفرغ للأجيال نتاج تجاربه في قوالب الناصح الأمين، الذي يرى الخير في هذه الأجيال القادمة وهي تحمل مشاعل الربانية، وتحقق المشروع الحضاري لهذه الأمة الولود.
لذا فهو تكامل وانتقال فطري، وليس صراعًا ولا تصادمًا، بل يقوم على سد الثغرات حتى لا يكون هناك فراغ في عالم العمل وقوانين الحركة.
تكامل الأجيال يبعث على الأمل، ويدفع نحو صناعة جيل يحمل هم الدعوة ومشروع النهوض؛ جيل لا يعرف الانقطاع، بل هو مسند الفكر، متصل المسار، ثقة عن ثقة، وثبت عن ثبت، كلهم عدول، والعدل من غلب خيره شرَّه، جيل يعترف بالنقص دون استسلام، ويقر بالضعف دون عجز، وينير الدرب بالتطلع إلى رحمة أرحم الراحمين، فتضيء الأرض بنور ربها، وتشرق الحياة بمناهج الفضيلة.
هذه الأيام ومرورها في الحياة زادت من ألق الدكتور حلمي القاعود، وجعلت قلمه أكثر تأثيرًا بحكم التجارب ونضج المعرفة؛ إذ لا يمكن للكتابة أن تعرف الشيخوخة، بل إن خلايا الأفكار تتجدد دومًا، وهذا راجع إلى منتج هذه الخلايا بما يحمله من تطوير للفكر، وتشبيبٍ للكتابة، ومعاصرةٍ ترتكز على التراث، وتراثٍ لا ينقطع عن الواقع، وحاضرٍ لا يعرف الانكفاء على الذات.
وشرط ذلك أن يعيش الكاتب واقعه، وإني رأيت ـ من خلال كتابات الدكتور حلمي القاعود ـ أنه يعيش واقعه من خلال معاناة وتفاعل حقيقي، لا أقول في إطار ما يجري في مصر فحسب، بل فيما يدور في العالم، وانعكاس ذلك على أمة الإسلام؛ «ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم».
ومن لم يعرف تفاصيل الحياة خيرها وشرها، وقع في إشكاليات كبرى، وسقط في حُفَرٍ مُقعِدة، غالبًا ما يكون الخروج منها باهظ الثمن، عظيم الكلفة، مُضاعف الفاتورة.
ولذلك كنتُ فخورًا بما قاله وهو يقدم لي كتاب «حوارية على رصيف»، حين تحدث عن الثورة السورية وما يعانيه أهل هذا البلد من الميامين الصابرين، في مقابل وصفه للطاغية المجرم الذي عاث في الأرض فسادًا.
فقال: «الثورة السورية نموذج لأكثر الثورات نُبلًا وتضحيةً من جانب الشعب السوري البطل، وخِسَّةً ونذالةً من جانب النظام الدموي الإرهابي الحاكم».
مشكلة كبيرة أن يكون المثقف في برجٍ عاجي، لا يلامس حاجات المرحلة، ولا يفقه الوقت، ولا يدرك واجب الساعة؛ فهو في وادٍ، ومشكلات الحياة في وادٍ آخر.
إنه الفصام المُنكِد الذي نعاني منه كثيرًا في شعب حياتنا، وهذا ما أفقد كثيرًا من المثقفين دورهم المنوط بهم، والمسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقهم.
لقد تجاوز الدكتور حلمي القاعود هذا الفصام، وعاش الأحداث بكل خلجةٍ من خلجات نفسه، وهنا يصبح الأدب عمليًّا، متجاوزًا تنظيرات الفلسفة المجردة وأحلام اليقظة التي تغرق في تفاصيل الدوران حول الذات، في طرح بعيد عن المعطيات، وبعيد عن هموم الناس.
إننا نريد أدب المعاناة، ولا نريد الترف الفكري الذي يُشَقشِق الكلمات، ويغرق في رمزية نحتاج إلى مجامع علمية لتفسيرها، ثم بعد جهدٍ وجهاد نجد أنفسنا ندور في حلقةٍ مفرغة.
وهذا أمر تجاوزته كتابات الأديب الكبير الدكتور حلمي القاعود، وهذا ما أسميه «أدب الثمرة»، ولعل الدكتور حلمي أحد صُنَّاعه، ورائدًا من رواد وضع حجر الأساس فيه.
وفي مقاله «حسن الهلالي في إسطنبول»، يكتب وهو يتابع حدث الانقلاب في تركيا، واصفًا ما جرى ومبديًا رأيه فيه، فيقول: «النعال تتجاهل أن أردوغان، الذي كان مستهدفًا ـ وما زال ـ مع حكومته وحزبه وشعبه، من حقه أن يعاقب الجناة الذين خرجوا بالدبابات وطائرات إف-16 والأسلحة الأخرى؛ ليفتكوا بالشعب الطيب ويفككوا تركيا، ويأتوا على وحدتها واستقرارها وحريتها وديمقراطيتها واقتصادها وصناعتها وزراعتها وتعليمها وتقدمها وفقًا لرغبة العم سام وأتباعه الأعراب…».
رغم أني أُعلي من شأن التخصص، وأدعو إليه، وأراه سبيلًا من سبل النجاح؛ إلا أن ذلك لا يعني التقوقع داخل دائرة صغيرة لا يتجاوزها الأديب والعالم والمثقف؛ لأن سعة الأفق في التخصص ينبغي أن تأخذ حقيقتها في دائرة الإنتاج المعرفي.
وهذا ما فعله الدكتور حلمي القاعود؛ إذ كتب في مجال الفكر، فمن كتبه: «مسلمون لا نخجل»، ومن روائعه «حراس العقيدة»، ومن مقطوعاته المؤثرة «الحرب الصليبية العاشرة».
ومن منطلق الغيرة على مستقبل الأمة كتب: «العودة إلى الينابيع»، ومن توصيف الألم البنَّاء سطَّر تلك القطعة الرائدة: «الصلح الأسود: رؤية إسلامية لمبادرة السادات والطريق إلى القدس».
ومن منطلق همِّ الأمة الكبير لم يفته أن يتحدث عن قضية القضايا، ومربط الفرس في كثير من متعلقاتها في منطقة الجوار، كما أشاد بدور نوابغ الثوار، فكانت: «ثورة المساجد.. حجارة من سجيل»، وكذلك: «الأقصى في مواجهة أفيال أبرهة».
ولم يكن له أن يضع قلمه قبل أن تكون له كلمة في مناصرة العفاف، والمنافحة عن قيم الفضيلة، فسطر: «معركة الحجاب والصراع الحضاري».
كما رسم منارات سبيل العودة إلى ضبط الفن بالالتزام، فكانت نفحته الرائدة: «أهل الفن وتجارة الغرائز».
ويبقى الإسلام محور الحضارة والانطلاقة الكبرى لمشروع الأمة المنير؛ وبه يستنير كل من عليها في ظلال حرية ملتزمة تكون سببًا في إطلاق الطاقات من أَسْرها، فكتب:
«التنوير: رؤية إسلامية»
«دفاعًا عن الإسلام والحرية»
ويبقى الأدب والنقد محور عطائه الثر، ولبَّ إنتاجه الغزير، وبناء تخصصه الدقيق؛ فهو يؤكد أهمية الأدب، وأنه لا بد من صناعة أجيال من الأدباء يغطون الساحة في هذا المجال الفسيح.
فرسالة الأدب بكل فنونه، وسائر أنواعه، وألوانه المختلفة، تمثل جانبًا مهمًّا من جوانب المشروع الحضاري الذي ننشده.
فتجد الدكتور حلمي القاعود يحث على ذلك، وينادي بوجود من يقوم بهذا الواجب، ومن جهته مارس ذلك عمليًّا، فكتب ضمن روائعه:
الغروب المستحيل (سيرة الروائي محمد عبد الحليم عبد الله)
رائحة الحبيب (مجموعة قصصية)
الحب يأتي مُصادفة (رواية)
مدرسة البيان في النثر الحديث
موسم البحث عن هوية (دراسات في القصة والرواية)
محمد ﷺ في الشعر العربي الحديث
القصائد الإسلامية الطوال في الشعر الحديث
الرواية التاريخية في أدبنا الحديث: دراسة تطبيقية
الحداثة تعود
الورد والهالوك: شعراء السبعينيات في مصر
لويس عوض: الأسطورة والحقيقة
الواقعية الإسلامية في روايات نجيب الكيلاني
الرواية الإسلامية المعاصرة: دراسة تطبيقية
حوار حول الرواية في مصر وسورية
تيسير علم المعاني
النقد الأدبي الحديث: بداياته وتطوراته
إنسانية الأدب الإسلامي
الوعي والغيبوبة: دراسات في الرواية المعاصرة
الأدب الإسلامي: الفكرة والتطبيق
مدخل إلى البلاغة القرآنية
ولم يفته أن يؤكد دور الإعلام ـ وهو يرى قصور الإسلاميين فيه ـ فقال في مقال له بعنوان «إعلام الإسلاميين وفقه الواقع»: «ثبت أن الإسلاميين يفتقرون إلى إعلامٍ فعَّال ينافس الإعلام السائد الذي ما زال النظام السابق يسيطر عليه، سواء أكان رسميًّا تابعًا لوزارة الإعلام، أم خاصًّا يملكه رجال أعمال تابعون للنظام السابق، ويسعون إلى إعادته والقضاء على الثورة ومُعطياتها».
هذا غيض من فيض، ولو جُمعت مقالات الدكتور حلمي القاعود لكانت أسفارًا، وذلك يحتاج إلى من يجمعها ويصنفها ويخرجها بالصورة اللائقة بها. وقد كتب أحد الباحثين رسالة أكاديمية حول هذا الجانب، أعني «فن المقال عند الدكتور حلمي القاعود».
فهو صاحب قلمٍ سيَّال، وأسلوبٍ جاذب، وعبارةٍ مشرقة، وقدرةٍ على توليد الجمل، وحسن إبداع في التعبير عن الأفكار؛ خالٍ من التكرار المُمل، بعيدٍ عن إثقال ذائقة القارئ، مع ليونة في التسلسل تدفع نحو الاندماج مع النص، فيُشكِّل حالةً رائقةً عمادها أصالة القواعد وروعة الفكرة.
ويبقى صوت الدكتور حلمي القاعود مؤكدًا أن ثمة فراغًا حاصلًا في كياننا الإسلامي ـ وعلى مستويات متفاوتة ـ في مجال الأدب، ولا بد من سد هذا الفراغ، والعمل على تأهيل كوادر قادرة على إثبات وجودها بواقعية مؤثرة؛ حتى نواكب واقع الأمر ضمن مقاييس تطور الأدب بلغته المعاصرة.
رغم أنني لم أتشرف بلقاء الدكتور حلمي، لكنني قرأت له، وشاهدت بعض برامجه التلفزيونية، وسمعت صوته عبر الهاتف.
سمعت صوتًا مُكتنزًا بالحنان، مُضمَّخًا بالرِّقة، مفعمًا بالعطف، يشي بحبٍّ نادر، وحرقةٍ لافتةٍ على فعل الخير.
وكان صفاء صوته عنوانًا على نقاء حسِّه؛ هكذا كان انطباعي وهو يكلمني، ويسألني عن حالي وحال من حولي، ويتفقد الظروف التي نمر بها.
فتكونت لديَّ صورة عن هذا العَلَم الجليل؛ أنه يتمتع بأخلاق عالية، وحسٍّ مُرهف، وتواضعٍ جمٍّ، وغيرةٍ على هموم الأمة عامة، ومصر خاصة.
فالرجل لا يكاد يعيش لنفسه وحدها، بل يكاد يسخِّر كل ما لديه لأمته وللشأن العام، بخلاف بعض المثقفين الذين لا يعيشون إلا لأنفسهم، ولا يهتمون إلا بذواتهم، ولا يدورون إلا في فلك أنانيتهم؛ فالمال هدفهم، والشهرة طريقهم، والمنصب والجاه خطتهم التي لا يغادرونها.
وكذلك بخلاف المتعجرفين الذين يرفعون أنوفهم ويتكبرون على عباد الله؛ وربما لم يبلغ أحدهم نصف مثقف، أو ثلثه، أو ربعه، ومع ذلك إذا كتب صفحة أو قصيدة شمخ بأنفه، ورأى نفسه فوق أن يكلمه أحد، فضلًا عن أن يتواضع لأحد.
وما آفة كثير من هؤلاء إلا حب الظهور؛ وهو قاصم الظهور.
المثقف والسلطة جدلية علاقة خطيرة، لها آثارها على الفرد والمجتمع والدولة، وتسير على خيطٍ دقيق في عالم الاحتكاك والممارسة، وهي محكٌّ بالغ الحساسية؛ لأنها تربط بين النظرية والسلوك برباط قد يبدو رفيعًا، لكنه في حقيقته ميثاق غليظ.
مصيبة أن يتحول المثقف إلى بوقٍ للسلطة، ومداهنٍ لها، ومبررٍ لاستبدادها، ومصفقٍ لظلمها وسجونها، حتى يغدو في بعض الأحيان صورةً مستنسخةً منها.
فكم هي فادحة خطيئة أولئك المثقفين أو العلماء الذين يمجدون الدكتاتورية، ويزينون للناس الباطل، وينافحون عن الفساد؛ إذ يصبحون شركاء مع الديكتاتورية في الظلم والفساد والضلال.
وهنا ضرب الدكتور حلمي القاعود أروع الأمثلة؛ إذ آثر أن يكون في الصف الذي يقاوم ـ سلميًّا ـ ضلال السلطة وأضرارها، ووقف بشجاعة نادرة يندد بفسادها وظلمها وقهرها، لا يمنعه تهديد، ولا يفتُّ من عزمه وعيد.
بل ظل يكتب مقالاته المدوية، صارخًا في وجه الطغيان، كاشفًا زيفه؛ وهذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلامة على تمثل قيم البناء السليم.
وليشهد التاريخ أن الدكتور حلمي القاعود كان وفيًّا لمبادئه، ثابتًا على الطريق، محافظًا على منظومة أخلاق الخير؛ قدمه في الأرض، وعينه إلى السماء، وإحدى يديه تحمل قلم الجهاد، والأخرى ممدودة بالعطاء.

تنويه: هذا المقال كُتِبَ عام 2016م، وكان الشهيد العلَّامة الدكتور حلمي القاعود – رضوان الله عليه – على قيد الحياة آنذاك، لذا فقد وردت فيه بعض العبارات والصيغ بما يوافق زمن كتابته قبل رحيله. ونُشِرَ النصُّ هنا مع الحفاظ على صيغته الأصلية وفاءً لأمانة النقل والتوثيق.

الدكتور عامر أبو سلامة

مفكر وكاتب إسلامي