الإخوان المسلمون في سورية

الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم

 

م. محمد عادل فارس

 

السيرة النبوية من العلوم الشريفة التي تبرز حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك المصطفى المختار الأسوة. فلا عجب أن يستأثر هذا العلم باهتمام علماء المسلمين منذ صدر البعثة النبوية، بل إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعلّمون أبناءهم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم، كما يعلّمونهم السورة من القرآن!.

 

وقد سلك علماء السيرة مسلكين:

 

المسلك الأول، وعليه معظم كتب السيرة، وفيه تُعرض أحداث السيرة حسب التسلسل الزمني، فتُذكر البيئة الاجتماعية والسياسية التي ولد فيها النبي صلى الله عليه وسلم، وتذكر طفولته وشبابه وبعثته… حتى وفاته.

 

المسلك الثاني، وفيه تعرض نواحي السيرة ومزاياها، كأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وعبادته وجهاده وسلوكه مع أهله وقومه وأصحابه وأعدائه…

 

ومن كتب المسلك الثاني هذا، كتاب الشمائل للترمذي، وكتاب الوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزي, وكتاب الشفا (الذي سنعرض له)، وكتاب زاد المعاد لابن قيم الجوزية، وكتاب الرسالة المحمدية لسليمان الندوي، وكتاب الرسول صلى الله عليه وسلم لسعيد حوّا.

 

وأصحاب كل من المسلكين، منهم من يختصر ويوجِز، ومنهم من يُسهب ويفصّل، كما أن منهم من يتثبت في الرواية ومنهم من يتساهل، ومنهم من يقتصر على العرض الموضوعي، ومنهم من يحلّل ويستنبط…

 

والكتاب الذي نعرض له ههنا هو إذاً، من كتب المسلك الثاني.

 

المؤلف: هو الإمام القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، المالكي المذهب، المغربي المولد والنشأة، الأندلسي الجُدود، فقد كان أجداده من سكان الأندلس، شمال شرقي غرناطة، ثم انتقلوا إلى فاس ثم إلى سَبْتة حيث وُلد، وقد كانت سبتة تعيش نهضة علمية، كما كانت مركزاً تجارياً وصناعياً.

 

وُلد في 15 من شعبان عام 476هـ (الموافق لـ 28/12/1083م) وتوفي سنة 544هـ.

 

توزّع مجال اختصاصه العلمي بين الحديث الشريف ورجال الحديث، والفقه المالكي ورجال هذا الفقه وغير ذلك.

 

ومن مشاهير شيوخه أبو بكر بن العربي.

 

عُرف بحدّة ذكائه ودأبه في تحصيل العلم، ودقّته في التفكير السديد والنقد القويم. وقد حفظ القرآن الكريم بقراءاته السبع، وقرأ أمهات كتب اللغة وقواعدها كـ”الفصيح” لأبي العباس ثعلب، و”الأمالي” لأبي علي القالي، و”الكامل” للمبرّد، و”أدب الكاتب” لابن قتيبة، و”الجُمَل” للزجّاجي، و”الكافي” لابن النحاس، و”المقتضَب” للمبرِّد، و”الإيضاح” لأبي على الفارسي.

 

وقرأ أصول الفقه وأصول الدين (العقيدة)، وصار عَلَمَاً في الفقه المالكي وعلم الحديث، وذا براعة في علوم اللغة والتاريخ والتراجم، بس كان عالماً موسوعياً، وكان أديباً كذلك.

 

ورحل إلى الأندلس فقابل علماءها أخذ عنهم ضبْط المنهج النقليّ للمتون والأسانيد، والمنهج العقلي لتصحيح قواعد التفكير والاستنباط.

 

وخلّف من بعده ما يناهز الثلاثين مصنّفاً، معظمها في الحديث ورجاله.

 

تولّى القضاء، وكان ذا هيبة ووقار، محبوباً، ذا جاه عند العامة والخاصة، صلباً في الحق، متواضعاً رؤوفاً بالمساكين، ليّن الجانب، متين الدين، صوّاماً قوّاماً.

 

دخل في صدام مع “الموحّدين” الذين يقولون بـ”عصمة الإمام” وهو لا يُقرّ بعصمة أحد بعد الأنبياء… حتى إنهم نَفَوْه عن وطنه!.

 

وقيل إنه مات مسموماً، سَمَّه يهودي!.

 

الكتاب:

 

وكما كان المؤلف جليل القدْر، كان كتابه كذلك.

 

قال ابن فَرْحُون رحمه الله عن هذا الكتاب: أبدعَ فيه كل الإبداع، وسلّم له أكفاؤه كفايتَه فيه، ولم ينازعه أحد من الانفراد به، ولا أنكروا مزيّة السبق إليه، بل تشوّفوا للوقوف عليه، وأنصفوا في الاستفادة منه، وحمله الناس عنه، وطارت نُسَخه شرقاً وغرباً.

 

ولقد طُبع الكتاب طبعات كثيرة. وعلى سبيل المثال فإن طبعة دار ابن الهيثم تقع في 624 صفحة من القطع المتوسط. ومعظم الطبعات قد ذُيّلت بحاشية للعلامة أحمد الشُمُني بعنوان: “مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء”.

 

وقد قسم المؤلف كتابه هذا إلى أربعة أقسام، وفي كل قسم أبواب، وفي كل باب فصول.

 

وباستعراض أسماء الأقسام وبعض أسماء الأبواب والفصول نتعرف إلى الجوانب التي يبحث فيها هذا الكتاب العظيم.

 

القسم الأول: في تعظيم العلي الأعلى سبحانه لقدر هذا النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً. وفي هذا القسم يذكر اجتماع خصال الكمال والجلال، وعظمة الخُلُق، وفصاحة اللسان، وشرف النَّسب، وكمال العقل والحِلم والتواضع والشجاعة والنجدة وحسن العِشْرة، والمكانة الشريفة يوم البعث والنشور، وكثرة معجزاته وعظمتها…

 

القسم الثاني: فيما يجب على الأنام، من حقوقه عليه السلام.

 

ومن هذه الواجبات حبه صلى الله عليه وسلم واتباعه والصلاة عليه وتوقيره…

 

القسم الثالث: فيما يجب للنبي صلى الله عليه وسلم وما يستحيل في حقه عليه السلام.

 

وهذا القسم يدخل في أمور العقائد، كموضوع العصمة ومعانيها وحدودها…

 

القسم الرابع: في تعرُّفِ وجوه الأحكام فيمن تَنَقَّصَه أو سبَّه، عليه الصلاة والسلام.

 

وفيه بيان الوجه في كفر من سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم أو انتقص من شأنه، وعقوبته في الدنيا والآخرة… وحكم من سبّ أحداً من الأنبياء، أو سبّ آل البيت أو الأزواج أو الأصحاب.

 

والمؤلف يعرض ذلك كله بأسلوب أدبي بليغ، وألفاظ قويّة جزلة. اقرأ مثلاً ما يصف به المعجزة الكبرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم… القرآن، يقول:

 

“حجّته قاهرة، ومعارضته ممتنعة، والأعصار كلها طافحة بأهل البيان، وحَمَلَة علم اللسان، وأئمة البلاغة، وفرسان الكلام، وجهابذة البراعة… والملحدُ فيهم كثير، والمعادي للشرع عتيد، فما منهم من أتى بشيء يؤثر في معارضته، ولا ألّف كلمتين في مناقضته، ولا قَدَرَ فيه على مطعن صحيح، ولا قدح المتكلِّفُ من ذهنه في ذلك إلا بزَنْدٍ شحيح، بل المأثور عن كل من رام ذلك إلقاؤه في العجز بيديه، والنكوص على عقبيه”.

 

وتفيض السطور بمظاهر حب النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره والغيرة عليه وعلى دينه وعلى أصحابه. ففي مطلع الباب الثاني: في لزوم محبته ومناصحته صلى الله عليه وسلم.:

 

“قال الله تعالى: ((قل: إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها، وتجارةٌ تخشون كسادَها، ومساكنُ تَرضَونها أحبَّ إليكم من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله فتربّصوا حتى يأتي الله بأمره. والله لا يهدي القوم الفاسقين))

 

فكفى بهذا حضّاً وتنبيهاً ودَلالةً وحجةً على إلزام محبته، ووجوب فَرْضِها، وعِظَمِ خَطَرِها، واستحقاقه لها صلى الله عليه وسلم، إذ قرَّعَ الله تعالى من كان مالُه وأهلُه وولده أحبّ إليه من الله ورسوله، وأوعدهم بقوله تعالى: ((فتربّصوا حتى يأتيَ اللهُ بأمره))، ثم فسّقهم بتمام الآية، وأعْلَمَهم أنهم ممن ضلَّ ولم يهده الله.

 

وفي شأن عصمة النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد أنه صلى الله عليه وسلم معصوم عن الذنوب والمعاصي قبل النبوة وبعدها. وأما اجتهاده فقد كان في تطبيق حكم الله تعالى على وقائع الحياة، وهذا ما لا يتناوله الإثم أصلاً، بل المجتهد فيه محصِّل للأجر أو الأجرين.

 

وفي حكم من سبّ آل البيت والأزواج والأصحاب، يذكر أولاً حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتخذوهم غَرَضاً من بعدي. فمن أحبّهم فبحُبّي أَحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضَهُم…” رواه أحمد والترمذي.

 

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تؤذوني في عائشة” رواه البخاري ومسلم.

 

قال: ورويَ عن مالك: من سبَّ أبا بكر جُلد، ومن سبّ عائشة قُتل، قيل له: لِمَ؟ قال: من رماها فقد خالف القرآن.

 

قال: وروي عن عمر بن الخطاب أنه نَذَر قَطْع لسان عبيد الله بن عمر، إذ شتم المقداد بن الأسود، فكُلِّم في ذلك فقال: دَعُوني أقطع لسانه حتى لا يَشْتِم أحدٌ بعدُ أصحابَ النبي صلى الله عليه وسلم.

 

وبعد، فـ”الشفا” كتاب يُقرأ، بل كنزٌ يُقتنى! رحم الله مؤلفَه القاضي عياض.

 

محمد عادل فارس