الإخوان المسلمون في سورية

(هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ)

في الصراع الذي يدور بين أصحاب الأرض الحقيقين وبين المحتلين المغتصبين؛ لسنا محايدين، ولا يمكن أن نكون..
في فلسطين نحن أصحاب القضية، وأصحاب الأرض. والأقصى والقدس وكل ذرة تراب فلسطينية، هي من صميم وجودنا، الذي خُلقنا للدفاع عنه.
حماية المدنيين من نساء وأطفال وشيوخ من غير المقاتلين، بالنسبة إلينا جميعا، دينٌ ندين الله به، ونتعبد به، وخلق ورثناه كابراً عن كابر، ووصية نبينا وخلفائه، “لا تقتلوا طفلا ولا امرأة ..” وليس حبلاً مطاطا، نمطّه ببهلوانية سياسية مرذولة كيفما نشاء، كيما يفعل أدعياء التمدن الكذوب..
قد لا نملك القدرة على مواجهة آلة الإفك العالمي، ولكننا نملك أنا وأنتَ وأنتِ ومليار ونصف مليار من أصحاب القضية أن يشهدوا شهادة الحق التي يعرفون. وفي ديننا أيضا ((وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ)).
إنّ ما يجري على أرض الشام، وفلسطين وغزة، هو حلقة من معركة تاريخ وأمة وشعب، وكل من يحاول أن يختزل هذه المعركة، بأنها معركة فصيل أو فريق أو تنظيم أو حزب أو مجموعة أو محور؛ فإنه بالزور يشهد، وفي صف الخائنين يقف ((وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)) أي لا تكن مدافعا عنهم، ولا متبنيا لوجهة نظرهم.
إن عمليات “الترانسفير” المتوافق عليها بين قوى الاحتلال والاستكبار وأدواته، والتي شهدتها منطقتنا في فلسطين أولا منذ سبعة عقود، ثم شهدتها أقطارنا على مدى العقدين الماضيين، في كلٍّ من العراق وسورية واليمن، والتي يحاول العدو الصهيوني مستغلاً ظروف هذه المعركة، أن يقترفها بمؤزارة دول، وصمت أخرى، لهي جريمة كبرى لا يجوز أن يصمت عليها إنسان صاحب ضمير، فكيف يصمت عنها أصحاب القضية أنفسهم!! ونعتقد أنه ما زال موقفنا العربي الشعبي والرسمي دون أقل المطلوب..
ولن يكون من العدل ولا من السهل أن ننصح الفلسطينيين بالبقاء تحت وطأة القصف الصهيوني المستعر، وكل أمتنا لا تحاول أن تأخذ على يد القاتل شيئا!!
لقد عشنا عمراً والصهاينة يدعون أن أمتنا وأن الفلسطينيين سيلقون بهم إلى البحر…
لم نشهد أيّ فريق من المحاربين اليوم يصدر بياناً ينذر فيه المدنيين، بمغادرة منازلهم التي اغتصبوها في الأصل، تحت التهديد بالقتل والذبح والتدمير، غير أننا نشهد هذا يُعلن من قبل أعداء الانسان، المدججين بأدوات القتل العالمية، وبقررات التأييد المتغطرسة…
يقول لكم بعض المطففين إن الفريق الفلسطيني هو من بدأ الحرب… وهذا كذب واختلاق .. إن الحرب في المنطقة، قد بدأها منذ خمسة وسبعين عاماً الغزاة المدعومون من كل قوى الشر في العالم..
ثم ما زال هؤلاء الغزاة يجدون الفسحة والدعم ليرفضوا كل القرارات الأممية، التي اعتمدوا عليها في شرعنة وجودهم، ثم رفضوها عندما حاولت أن تؤطر هذه الوجود..!! فهل سمع عاقل بأنكر من هذا!!
إننا…
ومع أننا نرى في الحرب الخيار الأسوء في عالم السياسة، إلا أننا نتساءل، وهل ترك ساسة الاحتلال وداعموهم لأصحاب الحق من خيار..؟؟ من رفض القرار الأممي في التأسيس؟؟ ومن تمرد على خيار الدولتين؟؟ ومن أغلق على ملايين الناس في غزة، منافذ البر والبحر والجو؟؟ ومن الذي ظل على مدى عقدين من الزمان مؤيداً لتدمير العراق، وداعماً للمستبد المأفون في الشام؟؟!!
إن ما يجري على أرض فلسطين اليوم، وغزة منها بشكل خاص، هو حلقة في صراع كان أول من أشعل ناره المحتلون والمغتصبون، ولا يجوز أن ننسى أو نتناسى هذا أبدا..
نندد ونشجب السياسات الفرعونية.. وفي كتاب ربنا ((إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ))..
إن سياسة الأشرار في تحريض أبناء الإنسانية الواحدة بعضهم ضد بعض، وتسليط بعضهم على بعض، هي سياسة فرعونية طاغوتية تاريخية قديمة، تمثّل شكلاً قديماً من أشكال الطغيان والاستعلاء والفساد..
وكذا اليوم يسلّط اليهودي على المسلم بغير ذريعة، ويسلّط الشيعي على المسلم على الطريقة الفرعونية نفسها، وفي معركة الاستعلاء هذه دائما يكون “أداة وضحية”. “أداة وضحية”، “أداة وضحية”؛ أكررها ثلاثاً والمطلوب منهم جميعا أن يدفعوا الثمن..
ولو راجع يهود العالم تاريخهم في في ظل كل الأقوام والحضارات والشرائع التي عايشوا، ولو فعلوا بعيون المنصفين العقلاء، لتأكدوا أنهم لم يجدوا قسطاً وبراً كما وجدوه في ظل شريعة الاسلام، وفي معايشتهم وجوارهم للمسلمين..
ومنذ الأيام الأولى لدعوة المدينة، بسط لهم الإسلام شرعة السواء التي تعتبر الوثيقة الأرقى في تاريخ السياسة..
المسلمون لم ينغمسوا في الهولكست النازي، الجريمة التي أذرت بتاريخ الإنسان..
وليس المسلمون هم الذين اخترعوا شخصية “شايلوك” التي ظلت عنواناً لموقف حضاري منذ خمسة قرون..
المسلمون هم الذين ألجأت محاكم التفتيش ضحاياها للهجرة، مدوا اليد، وفتحوا الدار، وتفسحوا على ضيق الزمان والمكان…
نحيّي الأصوات الإنسانية…
وأخيراً ومع إدانتنا لكل أصوات الإفك، والدعوات إلى المزيد من القتل والتهجير والاقتتال، لا نملك إلا أن نحيّي الأصوات الصادقة، التي انطلقت على ألسنة الصادقين والصادقات، من نساء أمهات، ورجال آباء، تحكي للعالم أجمع حقيقة الأخلاق التي تمتع بها الفلسطيني المدافع عن حقه في الوجود..
نعم نحيي تلك الأصوات وسط هذا الهرج المريب، وندعو إلى الاعتراف بها، وتقديرها، وتعظيم أمرها، والشكر لأصحابها وصاحباتها..
ونؤكد أن هذه الأصوات يمكن أن تكون المؤسِسَة، لرأس جسر، يتعايش على طرفيه، بشر حقيقيون محبون للعدل والسلام، ويتخلقون بالبر والقسط.
السلام، في وطن لا يؤسس لا على ظلم ولا على هضم، بل يظل قوامه البر والقسط..
يا أنصار الحق اتحدوا وأعلوا الصوت في مواجهة طرائق الذين يريدون في الأرض العلو والفساد.

زهير سالم

مدير مركز الشرق العربي، قيادي سابق في جماعة الإخوان المسلمين في سورية