ثالثاً: التعذيب والتشفّي قبل القتل

القمعيون من عصابة النظام الفاسد.. يرون أن القتل فحسب.. لا يشفي نفوسهم المريضة، لذلك غالباً ما كانوا يعذِّبون ضحاياهم وأسراهم بأساليب فاشيةٍ مبتكرة، وذلك قبل قتلهم أو إحراق جثثهم أو تقطيعها.. وقد نقلت الأخبار وصفاً لجرائم ارتكبها جنود (الصمود والتصدي)، يعفّ القلم عن ذكرها، لبشاعتها وساديّتها.. لعل منها: اغتصاب النساء حتى بعد قتلهنّ وهنّ ميّتات، فأي ضميرٍ بشريٍ هذا الذي استطاع أن يتجاهل مأساة حماة إلى هذا الوقت؟!..

 

التعذيب جزء لا يتجزأ من التركيبة النفسية للطغمة الحاكمة في دمشق، مارسوه ويمارسونه في السجون والمعتقلات منذ أكثر من خمسين عاماً.. مارسوه حتى الموت، وقد روى لنا خارجون من السجون السورية بعد عشرين سنة من اعتقاله.. أنّ التعذيب بحقهم لم يتوقف طوال العشرين سنة التي قضوها في السجون المختلفة، فلم يكن الهدف من التعذيب انتزاع اعتراف أو لأجل تحقيقٍ مخابراتيّ، الذي يمكن أن ينتهيَ في يومٍ أو أسبوع.. بل كان بهدف تحطيم النفس، والإذلال، والتشفّي، وإشباع الغريزة الحاقدة، المتجرّدة من كل ما خلق الله عز وجل عليه الإنسان السويّ السليم!..

 

أما التعذيب في شوارع حماة ومشافيها ومساجدها وساحاتها العامة ومَحالّها التجارية.. فقد كان أمراً آخر، مختلفاً عن كل ما يجري في السجون والمعتقلات.. كان أمراً فظيعاً رهيباً يعجز القلم عن وصفه!..

 

كان الجنود يداهمون المشافي، ليبحثوا عن الجرحى، فيقبضون عليهم وعلى الذين يعالجونهم من الأطباء أو الممرضات، ويقومون بحملات التعذيب الوحشيّ لكل هؤلاء، كالطعن بالحراب للجريح حتى الموت (مثل المواطن الجريح فايز عاجوقة)، أو شقّ صدور الجرحى وتركهم ينزفون حتى الموت، أو قلع عيون الأطباء (مثل الدكتور حكمت الخاني – طبيب عيون)، ثم قتلهم!.. وكانت (فرقة الموت) التابعة لسرايا الدفاع الأسدية ترابط عند المشفى الوطنيّ، لتعذيب الجرحى أو قتلهم، أو تقطيع أجسادهم، أو هرس أعضائهم، أو انتزاع قلوبهم من صدورهم (كما حصل للمواطن سمير قنوت).. ثم كانوا ينقلون الجثث أو بقاياها بسيارات النفايات، لدفنها في أماكن مجهولة!..

 

تعذيب الأطفال كان له نصيب في حماة، ومن ذلك، رميهم من الشرفات أو الطوابق العليا، وتركهم يتعذّبون مضرّجين بدمائهم حتى الموت أمام أعين ذويهم!.. أو بدفنهم أحياء تحت الأنقاض وهم يصرخون ويبكون ويتوسّلون!.. وكذلك تعذيب الأمهات نفسياً بقتل أطفالهنّ أمام أعينهنّ، أو بتعذيب الرجال بانتهاك عِرض نسائهنّ وبناتهنّ أمام أعينهنّ.. أو بقطع أذرع السيدات والفتيات لسرقة حليّهنّ منها!.. أو بالتعذيب جوعاً حتى الموت!.. أو ببتر الأطراف وفَقء العيون والضرب حتى الموت!..

 

بعض المواطنين عُذِّبوا بتقطيع أجسادهم قطعةً.. قطعة، حتى قضوا نحبهم (مثل المدرّس عبد المجيد عرفة).. وبعضهم كانوا يُعَذَّبون بتهشيم الرؤوس وسحق العظام والخنق وقلع الأظافر والصعق الكهربائي والتجريح بالحراب في الجسد العاري.. والسحق بجنازير الدبابات التي كانت تسير على أجساد الأحياء العراة.. أو بواسطة الكلاب المفترسة التي تنهش أجساد الضحايا الجرحى أو الموتى!..

 

كانوا يجمعون الناس بالمئات، ويعذِّبون بعضهم أمام بعضهم الآخر، للإمعان في التعذيب.. وكانوا أحياناً يستخدمون أساليب حرق اللحى والثياب.. للشيوخ الطاعنين في السن، كما وقع للشيخ (عبد الله الحلاق 80 عاماً) وعشرات الشباب، الذين اعتقلوا مع الشيخ وجُمِعوا في مَنجرةٍ وقُتِلوا حَرقاً.. أو كما جرى مع مفتي حماة الشيخ (بشير المراد)، الذي ضربوه وسحلوه، ثم أحرقوه حياً.. أو كما وقع مع مجموعةٍ من الشيوخ المكفوفين في مدرستهم التي داهمها جنود المجرم حافظ أسد، وشرعوا بتعذيب الشيوخ، وحرق لحاهم، ثم بحرقهم أحياء، ثم بالإجهاز عليهم بالبنادق (منهم الشيوخ: شكيب، وأحمد الشامية، وأديب كيزاوي)!..

 

من أساليب جنود حافظ أسد، أنهم كانوا يجرّدون الناس من ثيابهم في البرد الشديد، ثم يجمعونهم في المساجد، ثم يفجّرون المساجد بهم (كما وقع في مجزرة حي الشرقية)!.. أو كانوا يحرقون البيوت بمن فيها من النساء والأطفال، أو يحرقون الأشخاص في أفرانٍ عالية الحرارة، بعد تركهم عراةً في العراء، مدةً طويلةً، نهباً للبرد والمطر والجوع (مجزرة معمل البورسلان)!..

 

التعذيب والتشفّي نهجٌ ثابتٌ لحكام سورية المجرمين الظالمين، منذ أن تسلّطوا على رقاب الشعب السوريّ.. نتحدى أولئك الهتّافين المنافقين، أكانوا من المتوافدين إلى دمشق للهتاف بحياة القتلة واللصوص ومنتهكي الأعراض وذبّاحي كل القيم الإنسانية.. أم من الكتُـــّاب والصحفيين من مختلف الأقطار العربية، الذين يستخدمون دماء شعبنا مِداداً لأقلامهم، لممالأة النظام المجرم.. نتحداهم أن يواجهوا شعبنا الذبيح، سواء الآن أم في المستقبل.. فبأي وجوهٍ سيواجهونه؟!.. بوجوه الصمود الكاذب، أم بِجِباه التصدي المزعوم؟!..